قرون، ولم نستطع أن نهزمهم إلا بعد بعثة نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والتزامنا بالإسلام حقًّا، الذي أعاد تشكيل وصياغة الشخصية العربية، فحرَّرها من الجاهلية ونوَّرَ قلبها وعقلها وفجَّرَ طاقاتها، وعند ذلك لم يقف في وجه كتائب الإيمان أحد، لا العرب ولا العجم، وتهاوى أمام صيحات"الله أكبر"؛ الفرس والتتر، والترك والروم والبربر، وكانت ريادة العالم بأيدينا، ننقذهم من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد سبحانه.
ثم لما ضَعُفَ تمسُّكنا بديننا وفسد حُكَّامنا؛ أصابنا الوهن، فأعاد الروم علينا الكرة بعد قرونٍ بحروبهم الصليبية المشهورة، إلى أن أخذوا منَّا المسجد الأقصى، ولكن بعد تسعين سنة استعدنا قوتنا بعودتنا لديننا، فاسترجعنا المسجد الأقصى -بفضل الله- على يد قائد حكيم ومنهج قويم، فالقائد: صلاح الدين -رحمه الله-، والمنهج: الإسلام، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وهذا ما يلزمنا اليوم وهو ما يجب أن نسعى إليه.
وكذلك الحال؛ لم يتمَّ تحرير بلاد العالم الإسلامي في القرن الماضي من احتلال الصليبيين العسكري إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله، والذي يستميت الغرب اليوم لتشويهه، وقتل من يحمل رايته تحت اسم"مكافحة الإرهاب"، ويناصرهم في ذلك المنافقون، لأنَّهم يعلمون جميعًا أنَّ الجهاد هو القوَّة الفعَّالة لإحباط جميع مؤامراتهم.
فهذا هو السبيل فاتَّبعوه، لأنَّنا إذا ابتغينا دفعهم بغير الإسلام فسنكون كالذي يدور في حلقة مفرغة، وسيكون حالنا كحال أجدادنا الغساسنة، كان همُّ الواحد من كبرائهم أن يكون ضابطًا للأمن عند الروم، وإن أُطلق عليه لقب"ملك"، ليقوم بحماية مصالحهم، وذلك بقتل إخوانه من عرب الجزيرة وهذا هو حال"الغساسنة الجدد"؛ حُكَّام العرب اليوم.
فيا أهل الإسلام:
إن لم تأخذوهم بجريرتهم في القدس وأرض الرافدين، أخذوكم بخذلانكم وسلبوكم أرض الحرمين، فاليوم بغداد وغدًا الرياض، وهلمَّ جرًا -إلى أن يشاء الله- وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فكيف السبيل لوقف هذا الطوفان الهائل؟
لعلكم تذكرونَ أنَّ الأمَّةَ خلال العقود الماضية قد حاولت محاولاتٍ كثيرة لمقاومةِ التحالف الصهيوني الصليبي لتحرير فلسطين، وركضت لفترات طويلة خلف دياناتٍ بشرية كثيرة في المنطقة، كالقومية والاشتراكية والشيوعية والديموقراطية وغيرها، تحت الجمهوريات والملكيات، فهذه القوى المادية كلها أثبتت أخيرًا -بما لا يدع مجالًا للشك- أنَّها خضعت للتحالف الصليبي الصهيوني بقيادة أمريكا، وقد شبَّ الناس عليها وشابوا وهم يسيرون خلفها، وإذا بهم يرجعون إلى ما قبل نقطة الصفر، فكفى ركضًا خلف السراب، وكفى لعبًا بعقولِ أولي الألباب.