وفي مثل هذه الحالات العصيبة يرى بعض دعاة الإصلاح ضرورة أن تتَّحدَ جميع الطاقات الشعبية والرسمية، وتتَّحد طاقات الحكومات مع أبنائها بجميع شرائحهم وأفرادهم، كلٌّ فيما يُحتاج إليه، لصدِّ هذه الهجمة الصليبية الصهيونية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو؛ هل هذه الحكومات في العالم الإسلامي مهيَّأةٌ لأن تقوم بهذا الواجب للدفاع عن الملَّة والأمَّة؟ وأن تتبرَّأَ من ولائها لأمريكا؟
فتعالوا لننظر نظرة موضوعية لتاريخها في قضايا الأمَّة المصيرية، ليتبيَّن لنا ملامح ومعالم سياستها، حتى لا يسير بنا هؤلاء إلى طريق مسدود، ولِأَن يجرِّبوا أمرًا قد جُرِّبَ لعقودٍ طويلة.
أولًا: موقفها من العدوِّ الصليبي في الحرب العالمية الأولى عندما هجم على العالم الإسلامي وأراد إسقاط الدولة العثمانية، فإنَّ هؤلاء الحكام خرجوا على هذه الدولة، وفرَّقوا جماعة المسلمين وساهموا مساهمة فعالةً في القتال ضدَّها، مما أدَّى إلى سقوطها تحت الاحتلال الصليبي، وتقسيمها إلى بضعٍ وخمسين دولة، وكان الدور البارز في تلك الخيانات للملك عبد العزيز آل سعود والشريف حسين وأبنائه.
ثانيًا: قضية فلسطين؛ إنَّ مواقف هؤلاء الحكام في هذه القضية المحورية منذ تسعة عقود هو تعهُّدهم للإنجليز بالسماح لليهود بتكوين دولةٍ لهم على أرض فلسطين، ثم الخذلان لأهل فلسطين، بل والمخادعة لهم مراتٍ عديدة لكي يلقوا السلاح، كان من أبرزها محاولة تمَّت للملك عبد العزيز آل سعود، ثم لمَّا صدر قرار المنظمة الصهيونية، أو ما يُعرف بـ"الأمم المتحدة"، لتقسيم فلسطين ولإقامة دولة يهودية فيها؛ فلم يحرِّك حكام العرب ساكنًا، بل بقوا أعضاء في هذه المنظمة، وما زالوا إلى اليوم، ولم يفعلوا شيئًا يُذكر للحيلولة دون ذلك إلا بما يندى له الجبين.
فلمَّا قامت دولة اليهود، بعد قرار التقسيم بعام؛ نشبت حرب مصطنعة، ثم ما لبث حكام الدول العربية أن وافقوا على توقيع هدنةٍ مؤقتة استجابةً لأمر أمريكا التي طلبت منهم في العام الذي يليه هدنةً دائمة، وهكذا كادوا يَئِدون فلسطين وأهلها وهم أحياء، ولكنَّ الله سلَّم.
ثم استمرت المؤامرات مرورًا بمؤتمر مدريد وما تبعه، وتواصلَ السعيُ لإجهاض الانتفاضة الأولى، ثم ما جرى في مؤتمر"شرم الشيخ"عام 1416 للهجرة -الموافق 96 للميلاد- بدعمهم لليهود والنصارى ضدَّ المستضعفين من أهلنا في فلسطين، ثم مبادرة بيروت التي تضمَّنت الاعتراف باليهود، وجزءًا كبيرًا مما احتلُّوه من أرض فلسطين، وأخيرًا مؤامرة"خارطة الطريق".