فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 1077

للرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بأنَّهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأثبت لهم الخيرات -خيرات الدنيا والآخرة كما يقول أهل التفسير- وشهد لهم بأنَّهم المفلحون، فإذا كان رسولنا عليه الصلاة والسلام المُفتدى بأمهاتنا وآبائنا والذي قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر وهو صاحب الشفاعة العظمى جاهد بماله ونفسه بنص القرآن، فما تكون أنفسنا نحن حتى نضنَّ بها عن أن تذود عن هذه الراية العظيمة، وما تكون أموالنا حتى نضنَّ بها عن أن نصرفها في سبيل الله سبحانه وتعالى، فأموال هو سبحانه وتعالى رزقها وأنفسًا هو خلقها سبحانه وتعالى وقد اشتراها مِنَّا ولم يبق إلا التسليم كما يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} ، وكذا الآيات في هذا كثيرة التي تبيِّن أهم صفات المؤمنين الإيمان والجهاد.

ومن أبرز صفات المنافقين التكذيب والقعود، وكذا الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه مبيِّنًا هذه الصفة:"من لم يغز ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من النفاق"وفي رواية"شعبةٌ من نفاق"، فيجمع في هذا الحديث بين القعود وعدم تحديث النفس بالغزو وبين شعبة من شعب النفاق -سلَّمنا الله وإيَّاكم من ذلك-، ويقول كثيرٌ من الناس نحن نحدِّث أنفسنا بالجهاد في سبيل الله، وأنصح نفسي وإيَّاكم؛ لِمَ عندما نحدِّث أنفسنا بأمور كثيرة نفعلها؟ فهذا يريد أن يسجِّل في مدرسة فيأخذ المستندات اللازمة لذلك أو في جامعة أو يفتح عمل أو رخصة أو يتزوج أو يبني داره أو ما شابه ذلك، كل هذه الأمور نتخذ لها الأسباب من أجل أن نفعلها إلا ذروة سنام هذا الدين تبقى محبوسة الصدر! ما ينبغي ذلك وإنما كعب بن مالك -رضي الله عنه- صاحب البيعة -بيعة العقبة- تخلَّف عن غزوة تبوك وكان قد تعيَّن الجهاد يومها، وكما تذْكُر كتب السيرة خرج في تلك الغزوة ثلاثون ألفًا من الصحابة وما تخلَّف من المؤمنين الصادقين إلا ثلاثة كما جاء في القرآن الكريم، فما عُرف أمر ترك الجهاد وكثرة القعود إلا في العصور المتأخرة وأمَّا السلف الصالح -رضي الله عنهم- فكان لا همَّ لهم إذا ذُكر يا خيل الله اركبي إلا كانوا في أوائل الصفوف -رضي الله عنهم-، وثلاثة من ثلاثين ألفًا ماذا يفعلون؟! لكن لعظيم الذنب عندما يُعتدى على راية التوحيد ويبقى المسلم قاعدًا وهم ثلاثة وقد خرج ثلاثون ألفًا يأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يبيِّن لنا الحكم، ويُنزل عقابهم في القرآن الكريم، وتكون العقوبة مقاطعة من المسلمين للذين قعدوا لا كما هو الحال اليوم؛ القاعدون يقاطعون المؤمنين الذين يخرجون للجهاد -ولا حول ولا قوة إلا بالله- إلا من رحم الله، ثم يروي كعب -رضي الله عنه- قصته، وفي ذلك لنا عبرة وحتى لا يلتبس الأمر على الناس فكثير من إخواننا هناك يلتبس عليهم الأمر؛ يقول: لم نفقه أنَّ للجهاد هذا الخير العظيم إلا نحن، وكبار طلاَّب العلم وخيار الناس ما خرجوا؟ فيلتبس عليهم الأمر، فنقول لهم لكم عبرة في هذا الصحابي الجليل فهو من أوائل الصحابة وأوائل الأنصار الذين بايعوا يوم العقبة، فإن كان تخلَّف اليوم خيار الناس في نصرة هذا الدين فقد تخلَّف من هو خير منَّا ومنهم، وفي ذلك عبرة لنا حتى لا نتعلل بالرجال وإنَّما نعرف الرجال بالحق، يقول -رضي الله عنه-:"فممَّا زاد في كربي أنَّني كلما خرجت من المدينة لم أجد فيها إلا رجلًا مغموسًا بالنفاق أو رجلًا من أهل الأعذار"، أمَّا المؤمنون خرجوا للذود عن هذه العقيدة، ثمَّ يقول -كان يحدِّث نفسه ولم ينفعه ذلك التحديث حيث أنَّه لم يذهب-: قلت: أجهز أمري اليوم ثم غدًا ويمضي اليوم ولم أجهِّز شيئًا -وما زال يحدِّث نفسه- حتى خرج الناس وعسكروا، ثمّ مشى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت