فهرس الكتاب
منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلِّينَّ العصر إلا في بني قريظة، وهم لم ينالوا من المسلمين وإنَّما فكروا في أن ينالوا.
وكذا فِعل خير الناس بعد رسولنا عليه الصلاة والسلام في هذه الأمَّة أبو بكر الصديق الخليفة الراشد -رضي الله عنه-، فبعد أن تُوفِّي عليه الصلاة والسلام وهو على فراش الموت كان يوصي بالجهاد، ويقول - صلى الله عليه وسلم:"أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ"، ارتدت العرب عامة أو خاصة واشرأبَّ النفاق في المدينة -اعتبِروا من هذا يا إخوة-، فاستشار -رضي الله عنه- الصحابة فقال عمر: يا خليفة رسول الله؛ ترفَّق بهم، فإنَّ القوم حديثو عهد بجاهلية، -انتبهوا ولكم في هذا عبرة كيف السبيل- فالصحابة رضي الله عنهم يشيرون على أبي بكر ألا يقاتلهم، ويقولون: نقبل منهم الصلاة وندع لهم الزكاة فإنَّه لا طاقة لبقية المهاجرين والأنصار بالعرب والعجم عامة، فماذا فعل أبو بكر -رضي الله عنه- عندما حصلت الردة وكان النفاق في المدينة؟ فهل تعذَّر بوجود المنافقين في المدينة من أن يذهب لقتال الكفار؟ كلا؛ وكما تقول السيدة عائشة:"كان المسلمون كالغنم الشاتية في ليلة مطيرة في أرض مسبعة".
وتقول أيضًا:"واشرأبَّ النفاق في المدينة"، ما تعلَّل بذلك، وقد جاءت وفود العرب تفاوض أبا بكر -رضي الله عنه- وهم لا يشكُّون في أنَّه سيطرح عنهم الزكاة، فلمَّا دخلوا وجدوا المدينة خالية بعد أن سار جيش أسامة -رضي الله عنه-، وفوجئوا بموقف أبي بكر فعزموا على أن يغزو المدينة وينالوا من دماء المسلمين ونسائهم وأموالهم، ومع ذلك هذا الرجل الجليل -رضي الله عنه- ما توانى وما تراجع عن المبدأ الذي تعلَّمه من رسوله عليه الصلاة والسلام -كما هو في الحديث الصحيح-، وشاهِدُنا من الحديث الذي جاء في حديث مسلم كلمةٌ هي دواء ما نحن فيه اليوم، كان باستطاعته -رضي الله عنه- أن يرسل الدعاة يفهِّمون الذين تأوَّلوا ترك الزكاة أو الذين جحدوها، ومَن أفضل وأفقه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟!
كان باستطاعته أن يرسلهم إلى القبائل التي ارتدت يفهمونهم هذا الدين حتى يرجعوا، لكن لم يكن هذا هو السبيل عندما يرتد الناس ويشرئبُّ النفاق، كان باستطاعته -رضي الله عنه- أن يبني لهم المدارس أو يحفر لهم الآبار ويعلمونهم أنَّ هذا الدين دين محبة وإخاء ودين تكافل اجتماعي، كان باستطاعته أن يتألَّف قلوبهم ببناء المساجد وفعل الخيرات، كل هذه السُّبل جيِّدة ومطلوبة لكن السبيل الأساسي هو ما جاء في صحيح مسلم -رحمه الله- حيث يقول:"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجاهدتهم -فهنا الشاهد-، فعند ذلك يقول عمر: فما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعلمت أنَّه الحق"وشرح الله صدور الصحابة -رضي الله عنهم-، فعقد الألوية وأرسل الخيل في إثر الخيل، والجنود تتبعها الجنود حتى أعاد الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها إلى دين الله، فبالجهاد في سبيل الله يُكف بأس الكفّار وتُكسر شوكة المنافقين الذين كانوا في المدينة وتُصبح للمسلمين عزَّة وهيبة، هذا هو السبيل للخروج من المأزق الذي نمرُّ فيه اليوم بعد أن ارتدت العرب والعجم إلا من رحم الله.