لقد جاء فرعون العصر إلى العراق لا يبالي برفض ومظاهرات البشر الذين قالوا له: (لا لسفك الدم الأحمر من أجل النفط الأسود) ، ولكنَّه احتقر العالم أجمع وتقدَّم إلى العراق مستكبرًا متغطرسًا بجنده وعتاده، متصوِّرًا أنَّ أُسْدَ الشرى قد مُسخوا، وأنَّ رجال الإسلام قد خنسوا بعد أنَّ قدَّم له حكَّام العرب من ملوك ورؤساء آيات الطاعة والولاء والمذلَّة والاستخذاء، وكلٌّ منهم يحسِّس على رأسه متى يكون دوره ليوضع في رمسه.
هجم العدو على العراق فجعل يعسف بالناس عسفًا وينسف القرى نسفًا، وأزيز الطائرات قد ملأ الآفاق وصمَّ الآذان، وانفجار البارود قد نشر الحتوف وأزكم الأنوف، وكانت الجبال تهتزُّ وتميد من شدَّة القصف فبلغت القلوب الحناجر، ولاذ أولو البأس والنُّهى بأحلاس بيوتهم ولم يحرِّضوا بقول، ولم تحملهم أقدامهم من شدَّة الهول، واشرأبَّ الباطل ونقض المنافقون العهود، ووقفوا في خندق النصارى واليهود، وصار المسلمون كالغنم الشاتية في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، وفي ظلِّ تلك الأجواء الرهيبة الكئيبة التي ترى فيها أشباه زعماء ولا زعماء، وأشباه علماء ولا علماء، وأشباه رجال ولا رجال -إلا من رحم الله-، في تلك الظروف العصيبة المزلزِلة ظهر فارس الإسلام أبو مصعب الزرقاوي.
كمثل الليث مفترشًا يديه ... جريء الصدر رئبالًا سِبَطْر
ظهر ومعه ثلَّة من المؤمنين كانوا سبعة عشر رجلًا وليسوا سبعة عشر جيشًا، فتواثقوا وتعاهدوا وعاهدوا الله تعالى أن ينصروا دينه أو يهلِكوا دونه، رجالٌ والرجال قليل.
والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ ... وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنا
ومن سيقاتلون مثلهم في العدد أو مثليهم؟ كلا، أو حتى عشرة أمثالهم! كلا، إنَّها أمواجٌ كأمواج البحر من العتاد وجنود الشرِّ، ولكن من عَظُم حقُّ الله في قلبه ورُزِق التوحيد تميدُ الجبال الرواسي ولا يميد، فترجَّل فارسنا حاملًا الراية، وعزم على القتال إلى النهاية فإمَّا يذوق ما ذاق جعفرُ أو يذوق النصر.
فأثبت في مستنقع الموت رجلَه ... وقال لها من تحت أخمُصِك الحشر
فخاضوا غمار الحرب وبدءوا الضرب، وذلك بعدد يسير من الكلاشنات، وعدد يسير من ألغام الدبابات، وعدد يسير من مدافع البازوكا، وكان أبو مصعب قد جاء مع بعض إخوانه في الفترة الماضية إلى الجهاد ضدَّ الروس، فسابق إخوانه حتى سبق المتقدمين ونطق فبزَّ الناطقين، وبمجيئه وإخوانه إلى أرض أفغانستان أخذوا تطعيم معركة ضدَّ القوى الكبرى،