فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 1077

الإحصائيات تتحدَّث عن وفاة وتهجير الملايين من البشر جرَّاء ذلك وخاصَّة في إفريقيا، هذا الطاعون الأكبر والتهديد الأخطر لحياة البشر يتمُّ بشكل متسارع تحت سيادة النظام الديمقراطي على العالم، ممَّا يؤكد فشله الذريع في حماية البشر ومصالحهم من جشع وطمع الشركات الكبرى ومندوبيهم، ورغم هذا الاعتداء الصارخ على الناس تحدَّث زعماء الغرب وخاصَّة (بوش) و (بلير) و (ساركوزي) و (براون) عن الحرية وحقوق الإنسان باستخفافٍ فظيع لعقول البشر! فهل هنالك إرهاب أشدُّ وأوضح وأخطر من هذا؟!

لذا فإنِّي أقول لكم: فكما تحرَّرتم من قبل من عبودية الرهبان والملوك والإقطاع فينبغي عليكم اليوم أن تتحرَّروا من الخدع والقيود والاستنزاف للنظام الرأسمالي، فلو تدبَّرتم فيه جيِّدًا لوجدتم أنَّه في المآل نظام أشدُّ قسوة وشراسة من أنظمتكم في القرون الوسطى، فالنظام الرأسمالي يهدف لجعل العالم كلِّه إقطاعية للشركات الكبرى تحت مسمَّى العولمة لحماية الديمقراطية، وما العراق وأفغانستان ومآسيهما، وما رزوح الكثير منكم تحت الديون الربوية والضرائب الجنونية والرهونات العقارية، وما الاحتباس الحراري وويلاته، وما الفقر المدقع والمرض المفجع في أفريقيا؛ إلا جانب من وجه هذا النظام العالمي الكالح، فالواجب أن تتحرَّروا من ذلك كله، وأن تبحثوا عن منهج بديل قويم ليس لأي شريحة من البشر شأن في وضع تشريعاته لصالحها على حساب الشرائح الأخرى كما هو واقع الحال عندكم، حيث إنَّ التشريعات الوضعية البشرية في جوهرها تخدم مصالح شريحة أصحاب رؤوس الأموال، فتزيد الأغنياء غنًى والفقراء فقرًا.

هذا المنهج المعصوم من الخطأ هو منهج الله تعالى؛ الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو اللطيف الخبير، العليم بنفوس عباده وبما يصلح لهم من منهج، فأنتم تعتقدون اعتقادًا جازمًا أنَّكم تؤمنون بالله، وممتلئون قناعة بهذه العقيدة إلى درجة أن كتبتم عقيدتكم هذه على دولاركم، والحقيقة أنَّكم واهمون في اعتقادكم هذا، فإنَّ المحقِّق المنصِف يعلم أنَّ مقتضى الإيمان بالله تعالى الاستقامة على منهجه، فيجب أن تكون الطاعة المطلقة لأوامر الله وحده ونواهيه في جميع شؤون الحياة، فكيف بكم وقد أشركتم في الاعتقاد وفصلتم الدولة عن الدين ثم زعمتم أنَّكم مؤمنون، فما فعلتم هو الخسران المبين والشرك المستبين.

وسأضرب مثالًا للشرك، فالمثال يختصر ويوضِّح المقال، فأقول لكم: مَثَل ذلك كمَثَل رجل يملك متجرًا، واستأجر أجيرًا وقال له: بِعْ وأعطني الثمن، فجعل يبيع ويعطي المال لغير المالك فمن يرضى منكم بذلك؟ فأنتم تصدِّقون بأنَّ الله ربُّكم وخالقكم وخالق هذه الأرض وهي ملك له، ثم تعملون في أرضه وملكه بغير أمره وطاعته وتُشرِّعون على خلاف شرعته ومنهجه، فعملكم هذا هو الشرك الأكبر، وهو تمرُّد على طاعة الله يكفر به المؤمن وإن أطاع الله في بعض أوامره الأخرى، وأوامر الله تعالى أنزلها في كتبه المقدسة كالتوراة والإنجيل، وبعث الرسلَ صلى الله عليهم وسلم مبشِّرين للناس بها، فكل من آمن بها والتزمها فهو مؤمن من أهل الجنة، ثمَّ لمَّا حرَّف العلماء كلام الله تعالى واشتروا به ثمنًا قليلًا -كما فعل الأحبار بالتوراة، والرهبان بالإنجيل- أنزل الله كتابه الخاتم القرآن العظيم، وعصمه من الزيادة والنقصان على أيدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت