وبعد صدور هذا الخطاب قامت قناة العربية باستغلاله استغلالًا كبيرًا والتركيز عليه، فجعلته الخبر الأول في نشراتها الإخبارية، واستضافت رجالًا وشبابًا من عامة الناس في الطرقات كما زعموا، وكذلك عددًا من علماء السوء ورجال الدولة، ولا شك أن لبعضهم قبولًا عند بعض من يجهل حالهم من أبناء الأمة ليتحدثوا عن الشريط ويظهروا صراحة وتلميحًا كل بحسبه أن المجاهدين لا اهتمام لديهم بقضية فلسطين وحصار إخواننا في غزة، وإنما همهم القتل والإفساد والتشاجر مع رجال الأمن وليس اليهود الغاصبين.
ولا شك أن صدور هذا الخطاب كان بدافع الغيرة على دماء وأعراض المسلمين، وهي غيرة محمودة من أخينا يؤجر عليها، إلا أنها لم تكن متناسقة مع الأحداث حيث أن المسلمين في ذلك الحين مليون ونصف تحت الحصار، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، ولهم عند اليهود أكثر من عشرة آلاف أسير بينهم كثير من الأخوات والأطفال في ظروف مأساوية، فكان صدور الخطاب خاصة في مثل ذلك التوقيت يتنافى مع سياستنا في التركيز على العدو الأكبر، ويخفي اهتمامنا بالقضايا الأساسية التي من أجلها بدأنا الجهاد، وينبئ الناس بأننا في قتال وتشاجر مع الحكام للانتقام والثأر لإخواننا الذين قتلوهم وأسروهم بعيدًا عن قضايا وهموم الأمة العامة التي من أجلها تحمل إخواننا القتل والأسر، وكذلك يعطي المسلمين انطباعًا عنا بأننا قد غلبت علينا القطرية أو الحزبية أو كلاهما، حيث إنهم سمعوا أخانا يتحدث عن الأخت التي من جزيرة العرب ومن تنظيم القاعدة، ولم يسمعوه يتحدث عن أخواتنا في فلسطين، وهذا خلاف لحقيقتنا وسياستنا العامة، ويضعف موقفنا عندما نقول إننا تنظيم عالمي نجاهد لتحرير فلسطين، وجميع بلاد المسلمين، وإقامة الخلافة الإسلامية التي تحكم شرع الله.
وقد سبق أن تكرر هذا الخطأ في بيان الإخوة في اليمن للعملية الكبرى عملية عمر الفاروق -فك الله أسره-، عندما قالوا أنها رد فعل على القصف الأمريكي للمحفد، فربط مثل هذه العملية الكبيرة بغير قضية فلسطين يغطي على بعض المواقف التي تظهر نصرة الإخوة في اليمن لقضية فلسطين، إضافة إلى انهماكهم اليومي في قتال الحكومة اليمنية، وشدة تركيزهم على رموز حكام الجزيرة في خطاباتهم، مما استدعى لفت انتباه الناس بأن العدو الأول والأكبر للمجاهدين في جزيرة العرب هو حكام اليمن وبلاد الحرمين.
وكذلك تكرر أيضًا في تعليق الإخوة على عملية أخينا همام البلوي -رحمه الله- حيث ذكروا أنها انتقام لمقتل محسود -عليه رحمة الله-، فكان ينبغي أن يتم الحديث عن فلسطين أولًا.
ومما يعيننا في تجنب مثل هذه المواقف أن يكون التصور العالمي والسياسة العامة حاضرة واضحة في أذهاننا حتى نتجنب السهو أو الانهماك في شيء وتوسيعه على حساب ما هو أكثر أولوية وأهم.