فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 1077

وأما في مسألة إقامة الدول قبل اكتمال مقومات نجاحها أقول:

1.يظهر لي أن التدبر في الأمر جيدًا يوضح أن إقامة الدول قبل اكتمال مقومات نجاحها هو في أغلب الأحيان إجهاض للعمل حيثما تقام، إذ أن إقامتها ثم إسقاط العدو لها عبء فوق طاقة الناس، وإن تحميل الناس أمرًا فوق طاقتهم له سلبيات كبيرة منها أن يؤدي إلى صدمة من الجهاد عند أهل الإقليم الذي فيه تقمع الحركة، وقد تتعداهم سواء أقمعت الحركة بعد إنشاء الدولة أو وهي تسعى لإنشائها كما حصل في سورية عندما حاول الإخوان المسلمون أن يبدؤوا الجهاد ويقيموا دولة إسلامية قبل أن يعدوا للأمر عدته وتكتمل مقومات نجاحه فحصلت صدمة لدى المسلمين في سورية من الجهاد، واستقر لدى الكثير أن البقاء على النظام القائم أقل ضررًا بهم مما سيلحق بهم إذا أرادوا الجهاد، فتبعًا لهذه الصدمة خسر الجهاد جيلًا من الشباب الذين كانوا يتحرقون لنصرة الدين ومنهم من بذلوا أرواحهم في سبيل ذلك، وسكنت ريح الجهاد في سوريا قرابة عشرين عامًا إلى أن نشأ جيل جديد لم يشهد الصدمة؛ فالغالبية العظمى ممن نفر للجهاد في أفغانستان والعراق هم ممن لم يشهد تجربة حماة وفتك النظام بها.

2.... أن أمر الجهاد لإسقاط الدول والسيطرة عليها لا ينبغي البدء فيه بناء على أمل أن الناس سيقاتلون لتثبيت الدولة الناشئة، وإنما لا بد من دراسة الأمر وتقليبه والتأكد من اكتمال مقومات النجاح، وتحري الوقت المناسب فلا نضيع الفرصة الثمينة، ولا نبدأ قبل أن تتهيأ الفرصة المناسبة، وقد يقيس المرء نتائج إقامة دولة إسلامية ثم إسقاط الأعداء لها بالنتائج التي حصلت إثر سقوط الإمارة الإسلامية في أفغانستان -نسأل الله أن يعيدها في عز وتمكين-، فهذا قياس مع فارق كبير لعدة عوامل:

العامل الأول: أن شعوب العالم الإسلامي تنقسم إلى قسمين عرب وعجم، وبما أن للأعداء معرفة وخبرات متراكمة عن العرب وتاريخهم فقد علموا أن للعرب صفات خطيرة تؤهلهم لتلبية داعي الجهاد بسرعة ويكفيهم أن القرآن الكريم والحديث الشريف بلغتهم، وما يترتب على ذلك من سرعة فهم النصوص بدون ترجمة، وبناء على معرفتهم هذه فقد تم تركيز النصيب الأكبر من حملتهم ضد العالم الإسلامي على العرب لاسيما بالقصف الإعلامي المدمر للتأثير على ثقافتهم وصفاتهم بما يخدم مصالح الغرب، ويكفي للتدليل على ذلك أن أول لغة تبث بها إذاعة بي بي سي بعد الإنجليزية هي اللغة العربية، في حين أن عدد العرب يشكل اثنين ونصف في المئة من سكان العالم، بينما غيرهم من الشعوب كالصين وحدها تمثل خمس سكان العالم، وكذلك شبه القارة الهندية تشكل خمسًا آخر، وعدد المسلمين في شبه القارة الهندية أكبر من عدد المسلمين من العرب، فقد كان بإمكان الإمبراطورية الإنجليزية أن توصل صوتها إلى أربعين في المئة من سكان الأرض بإذاعتين فقط إلا أنهم كان همهم الأول تدمير العرب عبر الإعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت