بعد القصف الشديد هذا ما ظنَّ إخواننا الذين في المعسكر من جهة أخرى أن ينجو منَّا أحد، ولا ظنَّ إخواننا الذين في ميسرة معسكرنا أن ينجو منَّا أحد، بفضل الله سبحانه وتعالى تحرَّفنا لقتال بمقدار مائتي متر إلى الخلف، ثم حتى العدو أنفسهم من شدَّة هذا الضرب ما ظنُّوا أن يبقى أحد إلا قتيل أو جريح أو فارّ، فصعدوا على المكان الذي كنَّا فيه تركناه بطمأنينة عجيبة حيث يظنُّون أنَّنا هربنا، فما أن صعدوا حتى بدأ الإخوة الضرب عليهم وقُتل منهم واحد يقينًا وفرَّ الباقون من فضل الله سبحانه وتعالى، فلمَّا ضربنا عليهم بدأ القصف من جديد، تمهيد وتمشيط بالطائرات وبمدافع الهاون، كانوا مستميتين بشكل عجيب من أجل أن يأخذوا هذا المعسكر، مع كثرة القصف جاء بعض إخواننا، طلبنا مددًا من الشيخ سيَّاف والشيخ قلب الدين فأرسلوا لنا مددًا، يعني كان حجم القوات أكثر وأكبر من حجم الموجودين في المعسكر، فقدَّر الله قُتل منهم خمسة بالهاونات من إخواننا الأفغان، فشُغل المدد بالجرحى والقتلى، واستمرَّ هذا اليوم من السادسة والنصف صباحًا إلى السادسة والنصف مساءً، واستمر قصف متواصل بلا انقطاع، للتقريب إلى أذهانكم كان ما بين القذيفة والقذيفة بمقدار كلمتين، مثل قولك:"يا أبا عبد الله لازم نمشي"، ما يمكن يكون الجواب في ضمن قذيفتين إلا بعد قذيفة أخرى من كثرة القصف الشديد، فكلنا التجأنا إلى الله سبحانه وتعالى -وهو حال المسلم دائمًا- استمرت المعركة إلى الليل واستمر التمشيط في الليل.
وثاني يوم في الصباح كان يوم العيد وكان أجمل عيد على المسلمين في تلك المنطقة، يوم العيد استمرَّ القصف وتحت القصف تمشي قوات العدو الكوماندوز يتقدَّمون حتى وصلوا على بعد ثلاثين مترًا من حدود المعسكر، فكان في مواجهة هؤلاء المائتين خرج خمسة في مواجهتهم، وتسعة من الإخوة كان على رأسهم أخونا أبو عبيدة -جزاه الله خيرًا- نزلوا إلى وسط الغابة وتقابلوا مع الكفار بين المعسكرين، أولئك مائتين وهؤلاء نزلوا تسعة لملاقاتهم، وخمسة كنَّا على التبَّة خشية أن يتسلَّلوا إلينا -يشهد الله كما أقول لكم-، الميمنة كان شاب عمره تسعة عشر سنة عتيبي من المنطقة الشرقية، والميسرة أخ من جدة اسمه أسد الله، والظَّهر لنا كان أخ اسمه ياسين عراقي، وكنت أنا مع الأخ وائل الجليدان -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-، فعندما رأيناهم على بعد ثلاثين مترًا بدأ الاشتباك معهم فبدأ التمشيط ينهال علينا من جديد، استمر التمشيط حتى قُتل من الإخوة العرب تسعة نرجو الله أن يتقبَّلهم شهداء، ووالله ما تحرك منهم واحد ولا فكَّر بالرجوع، ونحن الآن بانتظار أخبار التسعة الذين خرجوا لملاقاة العدو الذين سبَّبوا رعبًا في المنطقة، لأنَّه فِرَق الكوماندوز -أخزاهم الله وأجاركم الله- يختارونهم من أبناء اللقطاء بأجسام قوية حتى لا يكون عندهم أي وسيلة رحمة لا عنده لا أم ولا أب ولا رحمة ولا شفقة يكون متوحشًا، ولكن جنود الإسلام الذين دوَّخوا الدنيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد الصحابة ما كان يفرق معهم روسي، بربري، سوداني، قبطي، تركي، كل بقاع الأرض عندما يحلُّ الإيمان في القلب فتحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، هل سمعتم أنَّهم انكسروا أمام الترك؟ أمام الفرس؟ أمام الروم؟ أمام البربر؟ الإيمان لا يُقهر إذا وقر في القلب.