العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله )) ، ثم يعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: (( وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة ) ) [رواه الإمام احمد والترمذي] .
فالشاهد هنا أن الخمس الأول؛ وهي أركان الإسلام، لا تقوم كحكومة ولا تقوم كمنهج للبشر, إلا بالخمس الأُخر. كما لا يمكن أن يكون إنسان مسلمً في ذاته وفي قلبه ولكن وهو يُحكم بالقوانين الوضعية, ولا يعم الإسلام الأرض, أمّا الإسلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بإبلاغه هو؛ أن يعم الأرض ويتحاكم إليه, لا أن يبقى في الشعائر التعبدية فقط [[1] ]، فلابد من هذه الخمس. وهذه الخمس إذا انتبهنا هي تتفق وتؤكد المعنى الذي جاء في دعوته عليه الصلاة والسلام للقبائل؛
1)تشهد أن لا إله إلا الله، ومقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله [[2] ].
2)وأن تؤوني وأن تنصروني.
فالإيواء والنصرة هي منطبقة في هذه الخمس, فالإيواء والنصرة لا بد له من جماعة, ولا بد له من سمع وطاعة, ولابد له من جهاد, ولا بد له من هجرة، وإذا تتبعنا النصوص في كتاب الله, وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد بوضوح هذه المعاني حيث ما تذهب تبرز بقوة على أن السبيل لإقامة الدولة الإسلامية ولنشر الدين لابد له:
1)من جماعة.
2)وسمعٍ وطاعة.
3)وهجرة وجهاد.
فالذين يريدون أن يقيموا للإسلام شأنًا بدون تضحيات الهجرة, وبدون تضحيات الجهاد في سبيل الله, فهؤلاء لم يفقهوا منهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم وإن فقهوه ولم يعملوا به واشتغلوا بغيره من الطاعات فهؤلاء يتهربون من تبعات هذه العبادات الثقيلة, فإن الجهاد كُرهٌ كما نص على ذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه. فيتضح مما مضى أهمية الجماعة والجهاد.
ونحن في وضع لم يعد لدينا دولة لنهاجر إليها؛ وقد كانت هذه الفرصة متاحة، وكانت فرصة نادرة، فمنذ أن سقطت الخلافة حرص الصليبيون على أن لايُمكّّن أهل الإسلام الصادقون لإقامة دولة, وقدر الله
(1) يقول الاستاذ سيد قطب: (والذين يظنون أنفسهم في"دين الله"لأنهم يقولون بافواههم؛"نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، ويدينون لله فعلا في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث، بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله؛ ويخضعون لشعائر لم يأذن بها الله - واكثرها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا ام لم يريدوا - ليحققوا ما تطلبه منهم الأصنام الجديدة، فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب الأصنام، الذين يظنون انفسهم"مسلمين"وفي"دين الله"وهذا حالهم، عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم! إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون انفسهم"مسلمين"في مشارق الأرض ومغاربها! إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتقصيلاتها، والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتقصيلاتها - فضلا عن أصولها وكلياتها - هي دين الله، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه) [تفسير سورة إبراهيم] .
(2) قال عبد الرحمن بن حسن: (ولابد في شهادة لا إله إلا الله من سبعة شروط، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها، أحدها؛ العلم المنافي للجهل، الثاني؛ اليقين المنافي للشك، الثالث؛ القبول المنافي للرد، الرابع؛ الانقياد المنافي للترك، الخامس؛ الإخلاص المنافي للشرك، السادس؛ الصدق المنافي للذكب، السابع؛ المحبة المنافية لضدها) ، وقال: (فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها ... أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه؛ من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل - قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح - فغير نافع بالاجماع) [فتح المجيد 46 و49] .