فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 1077

فهذا للأسف من أكبر العوامل المثبطة عند الصحوة الإسلامية، وهو يظهر في كتاباتهم وفي رسائلهم وفي لقاءاتهم.

ويقولون؛ إن الجهاد عبادة عظيمة, ولكن هناك عبادات أخرى!.

هؤلاء ما فقهوا منهج محمد صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه تلك الدروس وتلك العبر. وأن كعبًا رضي الله عنه عندما جلس وقعد في المدينة كان يقوم بكثير من الطاعات وهو في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث عن نبينا عليه السلام أن طلب العلم في مسجده عليه الصلاة والسلام كالجهاد في سبيل الله [[1] ]، ومع ذلك كله، ومع سابقته في الإسلام وهو من أصحاب بيعة العقبة -وما أدراك ما بيعة العقبة وهي التي تكونت بها الجماعة المسلمة لإقامة الدولة المسلمة- ومع ذلك كله لم يُذكر بأي صفة من هذه الصفات، لأنه عندما يتعين الجهاد لا مجال للطاعات الأخرى لأن تُذكر, وإنما يُذكر في مقابل الجهاد القعود والعتاب والتوبيخ, ولا يُقال"جزاه الله خيرًا ذاك في المدينة، وياحظه يصلي في الحرم"أو"يعطي دروس"! هذا لا يقال لنص القرآن الكريم {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24] .

لو تتبعتم النصوص في وصف القاعدين, تجدها متواترة على هذا المعنى في أمتنا وفي الأمم السابقة؛ فقوم موسى لما تأخروا عنه وصفهم الله سبحانه وتعالى ايضًا بالفسق {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة: 25] ، وكذلك إذا تتبعنا الذين تخلفوا يوم تبوك, الله سبحانه وتعالى أيضًا وصفهم بالفسق.

فأما اليوم فهناك خلل في طريقة المحافظة على هذا الدين, وفي تفعيل الطاقات لنصرة هذا الدين, فالآن أصبح الذي يقعد عن نصرة الدين لا يشعر بالإثم, بل هو يشعر أنه في طاعة, ولا يشعر بسوءة هذه الكبيرة العظيمة التي جاء فيها عشرات الآيات تهدد وتحذر, وترغب في هذه الطاعة, وتوبخ من يقعد عنها, وتقرّع الذين يركنون إلى الدنيا, ومن كان الذي يُهدَد؟ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تهديدًا تلو التهديد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ} ، هذا توبيخ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل} [سورة التوبة 38] .

هل يجترئ أحدٌ منا اليوم أن يقول لأبيه أو لعمه أو لشيخه؛"أنت رضيت بالحياة الدنيا؟! هذه فلسطين منذ ثمانين سنة ما أطلَقت فيها طلقة! ولا غّبرت قدمك يومًا من الأيام! فأنت من الذين رضوا بالحياة الدنيا!"لا أحد يستطيع ان يقول ذلك. هناك خلل عام في فهم الصحوة حول الطرق التي يحافظ بها على الدين، والآيات كما ذكرت إذا تتبعناها كثيرًا.

والشباب الذين عندهم القدرة على فداء الدين وعلى التضحية من أجل الدين, للأسف الشديد عندهم خلط في السمع والطاعة لعلماء الإسلام القاعدين, فالقاعد لا يسمع له ولا يطاع، فمن هنا هذه الطاقات تبقى معطلة، ويصرفونهم عن الواجب المتعين إلى فرض كفاية؛ كطلب العلم، لو أصبح كل الناس علماء لن يقوم الدين إلا بالجماعة والسمع والطاعة والنصرة والجهاد.

فمن هنا نحن بحاجة إلى أن نُفهّم الشباب أن قياداتهم العلمية هي راضية بالدنيا, هي تفر من واجب ثقيل تذمّر منه بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى يبين ذلك بقوله {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [سورة الأنفال: 5] .

(1) قال صلى الله عليه وسلم: (( من دخل مسجدنا هذا يتعلم خيرا أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ) ) [رواه الإمام أحمد] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت