فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 1077

الصحابة رضي الله عنه لما خرجوا يوم بدر خرجوا على أنهم سيأخذون العير للتجارة, فلما بلغهم أن قريشًا قد خرجت في ألفٍ كَرِه بعضهم ذلك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يروي أبو أيوب- فقال: (( أشيروا علي أيها الناس؟ ) )، فقال؛ أظهرنا كرهنا للقاء العدو. فقلنا: (يارسول الله ما خرجنا لقتال عدو ولا طاقة لنا بهم, وإنما خرجنا للعير) ، فقال: (( أشيروا علي أيها الناس؟ ) )، فكررنا ذلك، فقال: (( أشيروا علي أيها الناس؟ ) )، فتكلم المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! إذًا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة: 24] ، ولكن نقول لك؛ إذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكم مقاتلون، والله لنقاتلن عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك) .

فإذا كان الصحابة الكرام الذين عاشوا في جو القتال والجهاد؛ القتال بين الأوس والخزرج أخذت منهم الشيء الكثير وهي عبر عشرات السنين، وجاء الإسلام وهم في مطاحنات لها أول ليس لها آخر, وكان القتل أمرًا ليس ذي بال كبير عند الأوس والخزرج في الجاهلية. وجاء الإسلام ليحثهم على ذلك بالجهاد.

فكيف بنا اليوم تتشابه القلوب وتتواطأ كلها - إلا من رحم الله - على القعود عن نصرة الله.

يجب أن يفهم الشباب أن هناك خللًا كبيرًا، وأن هؤلاء لا بد أن نصفهم بالصفات التي وصفهم بها الله سبحانه وتعالى.

كل من يقعد عن الجهاد بغير عذر وصفه في القرآن ظاهر بيّن، إنّه"الفسق" {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [سورة التوبة: 46] ، الذين يرضون بالقعود مع الخوالف؛ هم لا يفقهون, وإن أخذوا أكبر الشهادات من أفضل الجامعات, وهم لايعلمون وإن وجّهت إليهم كل أسئلة الفتاوى, فهذا نص كتاب الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} ، هذا ذمٌ شديدٌ جدًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد {رَضُوا} هذا هو الذم، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [سورة التوبة 78] .

فمفتي الديار صاحب الكتب والتأليفات والمصنفات الكثيرة هو لا يفقه, لأن العلم ثمرته خشية الله سبحانه وتعالى. قالت تلك المرأة أم سفيان رحمها الله: (يا أيها العالم!) ، قال: (إنما العالم من يخشى الله) [[1] ]، فليس العلم هو كثرة الرواية، وإنما العلم هو عبادة الله بما أنزل سبحانه وتعالى والخوف منه وتقواه.

وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى -بعدها في بضع آيات- {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} ، لو كانوا يفقهون، وقوي اليقين في قلوبهم؛ أن ما عند الله سبحانه خير لهم من هذه الدنيا, لما ركنوا إليها ولما داهنوا، ولأسرعوا الخطى وتسابقوا في تلك الخيرات إرضاءً لله تعالى.

فأقول ينبغي أن يُشرح للشباب هذه المعاني, وتفك هذه القيود التي تقيدهم من ذلك.

فهذا أخونا أبو العباس [[2] ]طاقة عظيمة - ومثله كثير جدًا بالذات في بلادنا وفي بلاد الإسلام, ولكنها تُقيد - ولكنه نفع الله به, وخرج وانفك من ذلك القيد الذي تلبسه, فلما جاء هنا رأى الأمور على

(1) تاريخ بغداد: 13/ 377.

(2) أبو العباس الجنوبي رحمه الله؛ هو عبد العزيز العمري؛ أحد فرسان غزوة نيورك وواشنطن المباركة، كان على متن الطائرة التي دكت البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، قال في وصيته: (الرسالة الرابعة؛ إلى طالب العلم؛ إلى من عكف على الكتب وثنا عند العلماء والمشايخ الركب؛ آه! كم لك من المعزة في القلب، لي معك تاريخ طويل، صاحبت كثيرًا وكثيرًا من أمثالك أولي الخلق النبيل، تروح وتغدو تسلك طرق الجنة، إنها نعمة تغبن عليها، لكن أما إذا ذكر الجهاد فلا وألف لا! الفرق شاسع بين الجلوس وبين خوضك المعامع. يا طالب العلم؛ الأمل في أن تجدد الحياة التي أنت فيها، اخرج في سبيل الله مرة وذق حلو هذا الطريق ومُرَّه، انظر إلى التاريخ! انظر إلى ساحات الجهاد! فإن كنت تصبو أن تكون داعية فعلًا فساحات الجهاد تحتاج إليك! واعلم أنك لو تخلفت فإن الجهاد قائم، وسنة الله جارية {وإن الله غني عن العالمين} ، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} ، إن التضحية لا بد منها، ولكن الإيمان مرتبط بالعمل، وهذه ضريبة الإصلاح والجنة غالية الثمن ... ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت