حقيقتها, وقال تلك الوصية البليغة لتنبيه الناس من ذلك الوهم, قال: (ما أنتم فيه من طلب للعلم؛ فهذا أمر عظيم, وهذا خير كبير, وجزاكم الله خيرًا, أما إذا تعين الجهاد فلا ثمّ لا إذا تعين الجهاد لا يتزاحم معه شيء) , يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (إذا تزاحمت الواجبات قُدّم آكدها) ، فالناس - وخاصة أبناء الصحوة - فيهم خير كبير وطاقات هائلة, وهم مستعدون للتضحية ولكن من المهم أن يزال عنهم هذا الضباب, وأن يزال عنهم هذا الغبش.
من النصوص الأخرى التي ينبغي الاقتداء بها في مثل هذه الظروف:
هو حديث حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يصور وضعًا شبيهًا لوضعنا الحالي, فيقول رضي الله عنه: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر - مخافة أن يدركني [[1] ]- فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) [متفق عليه] [[2] ].
فهذا الوضع كما تلاحظون أن العالم الإسلامي انتشر فيه هذا الشر العظيم, وهو أن الأئمة الذين يدعون الناس إلى جهنم هم أظهر ما يكونون في حكام المنطقة - حكام العالم العربي والإسلامي - فهم في إعلامهم وأجهزتهم وإفسادهم للبلاد, فهم يدعون الناس عبر تبنيهم للأفكار الهدّامة وعبر تبنيهم للقوانين الوضعية والقوانين الكفرية, فهم يدعون الناس في الصباح والمساء إلى أبواب جهنم - ولاحول ولا قوة إلا بالله - فالكفر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مرأى ومسمع في الصحف وأجهزة التلفاز, وفي الراديو والندوات, ولاينكر عليهم منكر, فهؤلاء هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى جهنم.
ما هو الحل إذا حصل مثل هذا؟
فهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه سأل حتى وصل إلى مثل هذه الحاله فقال: (هل بعد ذلك الخير من شر؟ فقال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) ، وقال رضي الله عنه: (فما تأمرني إن أدركني ذلك؟) .
هذا كلام واضح بيّن صريح يسأل عن المخرج في مثل هذه الحالة التي نحن نعيش فيها اليوم، فيقول: (ما تأمرني إن أدركني ذلك؟) ، فأمره بأمر واحد - رغم كثرة الواجبات وأهميتها - ولكن في مثل هذا الوضع هناك أمرٌ واحد يتقدم على جميع الواجبات الأخرى بعد الإيمان، قال: (فما تأمرني إن أدركني ذلك؟) قال: (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) ).
فهذا الواجب العظيم الذي هو فرض الساعة لا مكان له بين العلماء اليوم ولا يتحدثون عنه, بل شُغلوا كل واحد منهم - إلا من رحم الله - بالتهليل والمدح للأئمة الطواغيت الذين كفروا بالله ورسوله, فبرقيات تذهب من هؤلاء لمدح هؤلاء الحكام الذين كفروا بالله ورسوله, ويُكفر بالله ورسوله في صحفهم وفي إعلامهم, وبرقيات أخرى من هؤلاء الحكام الذين كفروا إلى هؤلاء العلماء تمدحهم, ودلسوا في ذلك على الأمة!
(1) قال حذيفة رضي الله عنه: (إن أصحابي تعلموا الخير، وأنا أتعلم الشر!) ، قيل: وما يحملك على ذلك؟! قال: (إنه من تعلم الشر يَتّقِهِ) [كتاب العلم، لزهير بن حرب: ص20] .
(2) وتتمة الحديث: (قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا! قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) .