فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 1077

فلا بد أن يستقر في أذهاننا؛ أن الالتزام بالدين بالضرورة أن يكون هناك معاداة من أهل الباطل, فكما في الحديث الصحيح في صحيح البخاري رحمه الله الحديث الذي ترويه أمنا عائشة رضي الله عنها عندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمنا خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل فلما قص عليه ما قص من بدء الوحي فقال ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت فيها جذعًا [[1] ]إذ يخرجك قومك) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أو مخرجيّ هم؟! ) )، قال: (ماجاء رجل قط بمثل ماجئت به إلا عودي) [متفق عليه] [[2] ]، هذا هو فقه محمد صلى الله عليه وسلم فكل من التزم الإسلام حقًا لابد أن يُعادى.

وهؤلاء الأنصار رضي الله عنهم لما جاءوا في يوم العقبة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فجاء معه العباس -وهو على دين قومه لم يسلم بَعد- فقال: (يامعشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمدًا فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصيرة بالحرب واستقلال بمعاداة العرب قاطبة. فإنها سترميكم عن قوسٍ واحدة فأروني رأيكم وأنتم وأمركم, ولا تفرّقوا إلا عن إجماع فإن أحسن الحديث أصدقه, صفوا لي الحرب؟ كيف تقاتلون عدوكم؟) ، فهذا العباس - وهو على دين قومه كافرًا - ولكن يحتاط لابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم ويفقه أن معنى"لا إله إلا الله"؛ أن الناس والعالم سيعادي أهلها, فعند ذلك تكلم عبد الله بن عمرو رضي الله عنه فقال: (نحن والله أهل الحرب, وغذينا بها, وورثناها كابرًا عن كابر نرمي بالنبل حتى تفنى, ونطاعن بالرماح حتى تكسر, ثم نمشي بالسيوف نضارب بها حتى يموت الأعزل منا أو من عدونا) ، فقال العباس: (هل فيكم دروع) ، قالوا: (نعم ها هي) ، عند ذلك تقدم البراء بن معرور رضي الله عنه، وقال: (قد سمعنا ما قلت, وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه, ولكنا نريد الوفاء والصدق, وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فهذا هو فهم السلف رضي الله عنهم للالتزام بالدين وبذل مهج الأنفس لله سبحانه وتعالى وفي الدفاع عن دينه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا مما جاء في ذلك اليوم المبارك - يوم العقبة - عندما قام الصحابة يريدون أن يبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده أسعد بن زرارة وقال: (رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم, وأن تعضكم السيوف, فإما أنتم تصبرون على ذلك؛ فخذوه وأجركم على الله, وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة؛ فذروه فهو أعذر لكم عند الله) [رواه الإمام أحمد] [[3] ].

(1) قال النووي: (وقوله"جذعًا"؛ يعني شابا قويا، حتى ابالغ في نصرتك) [شرح مسلم 2/ 203] .

(2) يقول الشيخ أبو محمد المقدسي: (قليل هم أولئك الذين يدركون حقيقة منهج هذا الدين العظيم وحجم تكاليفه، فعندما خلق الله الجنة والنار وبعث جبريل ليراهما ورأى الجنة وما فيها من نعيم للوهلة الأولى قال؛"والله يارب لم يسمع بها أحد قط إلا دخلها"! فلما أن رآها بعد ذلك قد حفت بالمكاره، قال؛"والله يارب خشيت أن لا يدخلها أحد"! فالطريق الذي أراده الله أن يوصل إلى الجنة ليس مزروعا بالورود والرياحين، كلا بل هو محفوف بالمكاره والابتلاءات والأذى والدماء، ولو كان أحد يدخل الجنة دون سلوك هذه الطريق لكان أولى الناس به رسل الله وأنبياؤه الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه، فقد أوذوا وشوهوا وكذبوا {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} ، وهذه الحقيقة يعرفها كل عاقل درس منهج الانبياء وتاريخ الدعوات، ولذلك فأول كلمات سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نبيء من ورقة بن نوفل - وكان قد قرأ الكتب السابقة - كانت؛"لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي"! فالذين يحلمون أن يكونوا من ورثة الأنبياء ثم يبحثون عن رضى الناس أو الحكومات لم يفقهوا حقيقة هذا المنهاج ... ) [مقالة بعنوان؛ لم يأت رجل قد بمثل ما حئت به إلا عودي، جمادى الآخرة 1423هـ]

(3) وتتمته: (قالوا: أمط عنا يا أسعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا) ، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت