فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 1077

فهذا هو فهم السلف لمعنى"لا إله إلا الله"، وما تقتضيه"لا إله إلا الله"من تحكيمٍ في الأرض ومما سيضطر إلى المواجهه مع العدو.

وكما قال المثنى بن الحارثة لرسولنا عليه السلام يوم أن عرض عليهم أن يؤمنوا بلا إله إلا الله, وأن يحموه ويؤووه, فقال المثنى - كان مشركًا يومها - قال: (إن هذا أمر تكرهه الملوك) .

وفي الحديث الآخر عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياق السؤال عن أفضل الأعمال حتى في العشر من ذي الحجة فاستثنى, ووضح لهم أي الأعمال أفضل, فهي أفضل حتى من العمل في عشر ذي الحجة فقال عليه السلام: (( إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء ) ) [رواه البخاري] .

فأما ما انتشر بين العلماء من السلامة على أنفسهم وعلى أبنائهم, وعلى أموالهم, وعلى وظائفهم, مع بقاء الدين, فهذا فهم مغاير لحقيقة"لا إله إلا الله"ولمعاداة أهل الباطل لها، فهذا التواؤم, وهذا التماشي بين العلماء والحكام - الذين كفروا بالله ورسوله - هو وضع خاطئ ينقلب وينصبُّ في الابتداء على أن العلماء تركوا حقيقة"لا إله إلا الله", والالتزام بحقيقة"لا إله إلا الله"ومقتضيات"لا إله إلا الله", يداهنون الحكام.

فينبغي الحذر كل الحذر من هؤلاء, لأن النظام وضعهم عن قصدٍ للصد عن سبيل الله, وقد كان منذ ربع قرن كان الشيخ عبد الله بن حميد عليه رحمة الله، لا يُذكر بجواره العلماء الآخرون - بعد أن توفي الشيخ محمد بن إبراهيم عليه رحمة الله - في ورعه وفقهه وعلمه وشدته في الحق، ولكن النظام لا يريد أهل الحق ولايريد أهل التقى والورع، فما زال يضايَق الشيخ عبد الله بن حميد وأُخذ الأضواء عنه بعيدًا على عدد من العلماء الأخرين الذين فيهم لين ورقّة مع النظام, ونوع مداهنة, وأضف إلى ما لبّس عليه النظام, وتركوا الشيخ عبد الله بن حميد يضايقوه في عمله إلى أن استقال لما شعر أن الدولة بدأت تبتعد كثيرًا, وظهر له أن الدولة توالي الكفار, وتبتعد كثيرًا عن شرع الله سبحانه وتعالى.

فكذلك الحال اليوم تسلط الأضواء الإعلامية على العلماء, الغرض منه التدليس على المسلمين.

وفي هذا المجال لابدّ من الحديث أننا إذا عرفنا علماء السوء وعلماء السلاطين ينبغي البحث بجد واجتهاد عن الصادقين من العلماء, عن الذين يصدعون بالحق ولا يخافون لومة لائم، فإن الله سبحانه وتعالى قال: {يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 19] ، فينبغي الالتفاف حولهم والتشاور معهم في نصرة لا إله إلا الله والعمل لتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى.

والصادقون من العلماء لهم صفات, والصادقون بيّن الله سبحانه وتعالى صفاتهم في كتابه الكريم قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] فمن أبرز صفات الصادقين:

1)صفة الإيمان.

2)وصفة الجهاد في سبيل الله.

وهذا المعنى نجده يتكرر، ويقترن الصدق مع الجهاد، ومع النصرة, ومع قول الحق, والصدع به, فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحشر: 8] الذين يهاجرون والذين ينصرون الله ورسوله ويجاهدون في سبيل الله هؤلاء في سبيل الله وللتمكين لدين رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم الصادقون.

ومن أعظم الجهاد كلمة الحق والصدع بها، كما مضى معنا في الحديث عن نبينا عليه السلام: (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) )، فالعلماء الذين يصدعون بالحق؛ هؤلاء هم الصادقون وهذه صفتهم.

أما الذين يرون أن الحكّام قد والوا الكفار, ويرون الحكام قد حكموا بغير ما أنزل الله, هؤلاء الذين يمدحون الطواغيت؛ ألا يرون أبراج البنوك الربوية؛ التي هي حكم بغير ما أنزل الله؟! وإعراض عن منهج الله بجوار الحرم؟! هذا الإلحاد قرب بيت الله الحرام, والإلحاد في الحرم ليس المقصود به فقط الكفر، وإنما كما في الحديث الذي مر معنا -في حديث صحيح البخاري-: (( أبغض الناس إلى الله ثلاثة ) )، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت