فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1077

(( ملحدُ في الحرم ) )، قال أهل العلم؛ الكبيرة في الحرم تعتبر إلحادًا، وذُكِرت هنا بمعنى إلحاد للتشنيع عليها وللتهويل عليها حتى يبتعد الناس عنها.

فأبرز صفات الصادقين؛ الجهاد باليد وباللسان, وقد يكون الإنسان صادقًا وهو ينكر بقلبه, ولكننا لا نعرفه ولا نتعرف عليه وإنما نتعرف على الذي ينكر بيده وبلسانه.

وهنا ينبغي أن نؤكد على شباب الصحوة ما مر معنا؛ أن فيهم من الطاقات ما يكفي وزيادة لإقامة الحق, ولإقامة دولة الإسلام, ودولة الخلافة, ولكن ينبغي أن يتحرروا ويحرروا عقولهم من التقليد الأعمى، فقد صح عن نبينا عليه السلام أنه قال: (( لا تكونوا إمعة، تقولون؛ إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا ) ) [رواه الترمذي وحسنه] .

وسأذكر لكم قصة ذات مغزى كبير أن أولي الألباب والنهى إذا قلدوا مَن أمامهم دون أن يتدبروا, فقد يضيع منهم خير عظيم, بل قد تضيع عليهم الآخرة - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه وعمر بن العاص، وعمرو بن العاص من دهاة العرب المعدودين, وخالد بن الوليد عبقري في الحروب, ومع ذلك تأخر إسلامهما لأكثر من عشرين سنه تقريبًا, والنور بين يديهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشرة سنة بين أظهرهم في مكة ولا يرون هذا النور مع شدة ذكائهم ونباهتهم، فماهو السبب؟!

السبب؛ التقليد الأعمى, كانوا ينظرون إلى أولئك الرجال العظام في قريش -أهل الندوة- ويقتدون بهم, وعطّلوا عقولهم، فلما أسلم خالد وعمرو بن العاص قبل الفتح بشيء يسير - أي قريبًا من عشرين سنة منذ بعثت محمد صلى الله عليه وسلم - فقال له بعض أصدقائه: (أين كان عقلك يا خالد ولم تر هذا النور لعشرين سنة؟) ، فقال كلمة ينبغي التوقف عندها كثيرًا للمقلدين، قال: (كنا نرى أمامنا رجالًا كنّا نرى أحلامهم كالجبال) - الوليد بن المغيرة, وعمرو بن هشام, وعتبة وشيبة ابني ربيعة, والعاص بن وائل السهمي, وأمية بن خلف - قوم عبّأوا على الناس عقولهم أنهم هم الذين يعرفون الصواب, وكانوا يقودونهم إلى المهلكة في الدنيا والآخرة.

فلما حرر خالد عقله نفع الله به وتفجرت طاقات, فكان سيفًا من سيوف الله فتح الله به أرضًا عظيمة في بلاد فارس وفي بلاد الروم.

فأقول: كثيرٌ من الناس عندهم من الطاقات الهائلة، ولكن يعطلها باتباع قاعد، باتباع من رضي بأن يكون مع الخوالف, فلا نجاة لهذه الأمة إلا بإتباع المنهج كاملًا، فكما ذكرت الخطر ملازم بصفة دائمة لهذه الدعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ففي هذا الحديث العظيم فقه عظيم جدًا حيث إنه وضّح للناس وللمؤمنين أهمية الأولويات في هذا الدين, فرأس الأمر الإسلام ورأس أركان الإيمان والإسلام شهادة أن"لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، فالإيمان فيه شعب [[1] ]فلا ينبغي بحال إذا غابت الشعبة الأولى وهي أعظمها وأفضلها وأعلاها شهادة أن"لا إله إلا الله"الاشتغال بما دونها, فهي الأساس لهذا الدين فما يفعل الناس في هذا الزمان وهم يرون بأم أعينهم أن"لا إله إلا الله"بمعناها الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قد غيّبت عن حكم الناس في جميع شؤون حياتهم, ويشتغلون بكثير من الشُعب مع غياب هذه. فهذا لا يمكن أن يسمى لمن علم بهذه الحقائق إلا هروبًا عن أداء الواجب, بل عن أعظم واجب في الحياة, وهو تحكيم شهادة أن لا إله إلا الله على كل مؤمن.

ولو قعد الإنسان عن الجهاد واشتغل بإماطة الأذى عن الطريق وهي شعبة من شعب الإيمان وكان الجهاد متعينًا, فلا يقال لهذا الذي يعمل بهذه الشعبة أو بهذه الطاعه جزاه الله خيرًا بل هو في ديننا فاسق من

(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون شعبة - فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ) [رواه مسلم] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت