فالسبيل لكف بأس الكفار هو الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء:84] .
وابتداءً؛ أبشركم بفضل الله أن الأمة اليوم عندها من الطاقات الهائلة ما يكفي لإنقاذ فلسطين، وإنقاذ باقي بلاد المسلمين، ولكن هذه الطاقات مقيدة فيجب العمل على إطلاقها، كما وأن الأمة موعودة بالنصر، لكن إذا تأخر النصر فبسبب ذنوبنا وقعودنا عن نصرة الله [[1] ]، قال تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7] ، والأمة موعودة بالنصر أيضًا على اليهود كما أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر؛ يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعالَ فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [رواه مسلم] .
ففي هذا الحديث تنبيه أيضًا إلى أن حسم الصراع مع الاعداء إنما يكون بالقتل والقتال، لا بتعطيل طاقات الأمة لعشرات السنين عبر طرق أخرى كخدعة الديمقراطية وغيرها [[2] ].
(1) يقول الاستاذ سيد قطب رحمه الله:(والنصر قد يبطىء على الذين ظُلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا؛ ربنا الله، فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله:
قد يبطىء النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها, ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا.
وقد يبطىء النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزا ولا غالبا، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل الله.
وقد يبطىء النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من اللهلا تكفل النصر، إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله.
وقد يبطىء النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل ; ولا تجد لها سندا إلا الله، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله.
وقد يبطىء النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. . .
كما قد يبطىء النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار.
وقد يبطىء النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية.
وقد يبطىء النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار، فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه.
من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطىء النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ، فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره. . .) [الظلال/تفسير الآية 40 من سورة الحج] .
(2) يقول الشيخ أبو طلال القاسمي عن خدعة الديمقراطية والبرلمانات:(إننّا نعلم أن جميع الأنظمة الحالية والتي تمكّنت على رقاب المسلمين لم تكن قط لتسمح لأيّ تيّار إسلامي بالدخول في اللعبة الحزبيّة ولعبة البرلمانات حبًّا منها للإسلام وللمسلمين، ولكن لها في ذلك غرض خبيث يعلمه الجميع، وهذا المكر منهم وهذه الخديعة قد علمها العقلاء من الناس، وتبقى خطورته قائمة طالما أنّ الحركة الإسلامية لم تعِ خطورة هذا المكر، والكيد الأخطر من هذا والأعجب أن تنظر الحركة الإسلامية إلى هذا المكر على أنّه ضرب من ضروب الصيانة ونوع من أنواع الرعاية! رغم أنّ حقيقة ما بين الحركة الإسلامية والأنظمة العلمانية هو التناقض الصارخ - تناقض على مستوى الاعتقاد والمفاهيم والقيم على كافة المستويات والمجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية - وسبب هذا التناقض أنّ المنهج الذي تحمله الحركة الإسلامية وتشكّل وفق اعتقادها وقناعاتها، ويحكم تصرّفاتها؛ هو الإسلام، والإسلام لا يتّفق والمنهج الذي تحمله هذه الأنظمة الحاكمة، وتشكّل به مفاهيمها وحركاتها وهو؛ العلمانيّة، والعلمانية تعتمد في صراعها مع الحركة الإسلامية على أسلوبين، وهما نفس الأسلوبين اللذين كانت الجاهلية القديمة تتصدّى بهما للمسلمين الأوائل، وهما؛ إمّا التصفية القائمة على الصدام، وإمّا محاولة احتوائها داخل أنظمتها ومؤسّساتها.
والتاريخ يشهد أنّ الجاهلية إذا كانت تملك من القوة ما يجعلها تسعى لاستئصال الإسلام والمسلمين فإنّها لا تتردّد في ذلك لحظة حماية لعروشها وسلطانها، وإن أعياها ذلك لضعف أو لحاجة في نفسها عند ذلك تبدأ الألاعيب والخداع، وصور ذلك معلومة منها فتح المجال لدخول البرلمانات، وسرعان ما يظهر المخبوء ويحلّ محلّها السجن والإعدام متى انتهت الحاجة، أو وجدت هذه الأنظمة القوّة لذلك.
والحركة الإسلامية أصبحت الآن بفضل الله تعبّر عن ضمير الشعوب الإسلامية بانتشار أفكارها ونفاذها إلى كلّ بيت، مما يجعل من عملية التصدّي لها والإجهاز عليها من قبل هذه النظم مسألة في غاية الصعوبة، فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ هذه النظم أصبحت في حالة ضعف وانهيار نتيجة اشتداد الأزمات خاصّة الاقتصاديّة مما يجعل عملية القضاء على الفكرة الإسلامية في ظلّ هذا الضعف لا يمكن أن تتم إلا على أنقاض هذه النظم، وهنا تضطرّ هذه النظم وتلجأ إلى المكر والخديعة في استبعاد الإسلام، ولكن بطريقة هادئة بعيدة عن السخط والضجيج والصدام؛ وذلك عن طريق استدراجه إلى الدخول في مؤسّساته الرسميّة مع وضع القيود الكافية التي لا تسمح له بأن يكون خطرًا على بقائها، هذه تمثيلية تستهدف استبعاد الإسلام، ولكن بطريقة تخدّر أعصاب المتحمّسين له في انتظار الأغلبيّة! وأين هي هذه الأغلبيّة؟!
وللأسف الشديد موضوع هذه اللعبة وتكرار تمثيلها في كثير من البلدان الإسلامية، ورغم النهايات المأساوية التي أسفرت عنها هذه التجارب والتي كان أكثرها من تخطيط وتنفيذ المخابرات الأمريكية وعملائها - وأكبر مثال على ذلك؛ تركيا والجزائر - إلا أنّ بعض المنتسبين للحركة الإسلامية - وللأسف الشديد - لم يعتبروا بهذا، بل وجدنا البعض منهم يعلن؛ أنّ دخول البرلمانات التشريعية هو السبيل الوحيد والصحيح لإقامة الإسلام!) [عن مجلة نداء الإسلام] .