ومن قرأ سيرة الأئمة الصادقين في أيام المحن كسيرة الأمام أحمد بن حنبل وغيره رحمهم الله علم الفرق بين العلماء العاملين والعلماء المداهنين - كما في سير أعلام النبلاء وغيرها - وقال الشاعر:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وأما السد الثاني؛ فهم العلماء والدعاة المحبون للحق الكارهون للباطل القاعدون عن الجهاد، تأولوا تأولًا فصدوا الشباب عن الجهاد ولا حول ولا قوة إلا بالله، هؤلاء رأوا الباطل ينتشر ويزداد، فتداعوا للقيام بواجب نصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واهتدى وتفقه على أيديهم خلق كثير، وحسنًا فعلوا، وجزاهم الله خيرًا على ذلك، إلا أن الباطل يضيق صدره بالحق وأهله، فشرع في مضايقتهم وإخافتهم ومنعهم من الخطب والدروس وفصلهم من وظائفهم ثم سجن من أصر على مواصلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن هذه الضغوط الشديد أدت تدريجيًا إلى انحراف المسار - إلا من رحم الله - وهذا أمر بدَهَي لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخذ القرار الصحيح في ظل أوضاع غير صحيحة وخاصة من الناحية الأمنية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) [رواه الإمام أحمد] هذا إذا كان غضبانا، فكيف إذا كان خائفًا؟ فالتخويف الذي تمارسه الدول العربية على الشعب قد دمر جميع مناحي الحياة بما فيها أمور الدين، إذ الدين النصيحة، ولا نصيحة بغير أمن.
وقد قَسَّم الخوف الناس إلى أقسام، وسنتحدث عن بعضهم:
1)فقسم انتكس والتحق بالدولة ووالاها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
2)وقسم بدا له أنه لن يستطيع أن يستمر في الدعوة والتدريس ويؤمن معهده أو جمعيته أو جماعته، ويؤمن نفسه وجاهه وماله إن لم يمدح الطاغوت ويداهنه، فتأوَّل تأؤُّلًا فاسدًا فضلَّ ضلالًا مبينًا وأضل خلقًا كثيرًا.
3)وقسم آخر حفظهم الله من مجاراة الحكام الخائنين ومداهنتهم، وحرصوا على البقاء تحت راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كانت لهم جهود مشكورة في الدعوة إلى الله، إلا أن الضغوط - التي سبق ذكرها - كانت كبيرة جدًا، ولم يهيئوا أنفسهم لتحملها، ومن أهمها تكاليف الهجرة والجهاد.
وقد كانت الفرصة متاحة منذ أكثر من عقدين ولم يستفيدوا منها، مما أفقدهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح - إلا من رحم الله - في مثل هذه الأيام العصيبة، ولذا نرى فريقًا منهم مازالوا إلى الآن لم يتخذوا قرار الجهاد والمقاومة.
إن نصرة الدين وإقامته لها تكاليف عظام وصفات واضحة في كتاب الله وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فمن لم يتصف بهذه الصفات لا يستطيع أن يقوم بنصرة الدين، هذه الصفات ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54] .
وفي الخبر الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وورقة بن نوفل، قال ورقة: (يا ليتني فيها جذعًا أكون حيًا حين يخرجك قومك) ، فقال رسول الله عليه وسلم: (أَوَ مخرجيَّ هم؟!) ، فقال ورقة: (نعم! لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُوديَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) [متفق عليه] .
فحال من يريد أن يتحمل الدين بحق، هو العداء من أهل الباطل، لا التعايش - كما نرى ولا حول ولا قوة إلا بالله - مع أهل الباطل، وحال من أراد إقامة الدين هو السعي في نصرته بالنفس والنفيس، كما قال ورقة: (إن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) .
وكذلك كان الحال يوم بيعة العقبة؛ فنصرة الدين ليست دروسًا تعطى فقط، والدين لا يقوم على فتات أوقاتنا وأموالنا، وإنما سلعة الله غالية، فشتان شتان بين الجلوس وتقديم الدروس وبين تقديم النفوس والرؤوس لنصرة الله، لذا فإن العباس بن عبد المطلب - وقد كان على دين قومه - أراد أن يطمئن على ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم عند الأنصار، فكان مما قاله: (فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصيرة بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة) .