فأقول؛ هذه الصفات كانت مطلوبة لأهل الإيمان لحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مطلوبة اليوم أيضًا لحفظ دين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد أن أنهى العباس كلامه، قال البراء بن معرور من الأنصار: (قد سمعنا ما قلت، وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله) .
فأقول؛ هكذا الدين، إنما يقوم بالوفاء والصدق وببذل المهج من أجل المنهج، ثم لما قاموا للمبايعة، قال أسعد بن زرارة: (رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي، إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله) ، فقالوا: (يا أسعد أمِطْ عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها) ، هكذا كانت صفات الذين يريدون أن يحموا ويقيموا دين الإسلام رضي الله عنهم.
وكذلك اليوم يقول المجاهدون للعلماء والدعاة الذين يحبون الحق ولا يداهنون الباطل؛ فأنتم قد رفعتم راية دين الإسلام، وتعلمون أنه دين رسول الله حقا، ً وإن حملكم له بحق يعني مفارقة حكومات العرب والعجم في الأرض كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فحافظوا على الراية وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروا راية المدافعة والمقاتلة ولا تحولوا بين شباب الأمة والجهاد في سبيل الله، فهو أعذر لكم عند الله.
والآن نتحدث عن ما هو واجب المسلمين تجاه هذه الحرب الصليبية الصهيونية ضد أمة الإسلام:
قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء:84] [[1] ]إن أوجب الواجبات بعد الإيمان اليوم هو دفع وقتال العدو الصائل، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وأما دفع العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط) [الإختيارات العلمية، ملحق بالفتوى الكبرى 4/ 608] ، فالجهاد اليوم متعين على الأمة بأسرها [[2] ]وهي واقعة في الإثم إلى أن تخرج من أبنائها وأموالها وطاقاتها ما يكفي لقيام الجهاد الذي يدفع بأس الكفار عن جميع المسلمين في فلسطين وغيرها [[3] ].
(1) قال القرطبي في تفسيرها: (هي أمرٌ للنبيّ بالإعراض عن المنافقين وبالجدّ في القتال في سبيل الله، وإن لم يساعده أحد على ذلك) [الجامع لأحكام القرآن 5/ 293] .
(2) يقول الشيخ عبد الله عزام في كتابه"الدفاع عن أرضي المسلمين"بعد ذكره للادلة على أن الجهاد صار فرض عين في زماننا:(. . . لقد تبين فيما سبق أنه إذا اعتدي على شبر من أراضي المسلمين فإن الجهاد يتعين على أهل تلك البقعة وعلى من قرب منهم، فإن لم يكفوا أو قصروا أو تكاسلوا؛ يتوسع فرض العين على من يليهم، ثم يتدرج فرض العين بالتوسع حتى يعم الأرض كلها شرقا وغربا. وفي هذه الحالة لا إذن للزوج على زوجته وللوالد على ولده وللدائن على مدينه، وعليه؛
1 -فإن الإثم باق في رقاب المسلمين جميعا ما دامت أي بقعة كانت إسلامية في يد الكفار.
2 -يزداد الإثم طرديا حسب القدرة والإمكانية والطاقة، فإثم العلماء والقادة والدعاة البارزين في مجتمعاتهم أشد من إثم الدهماء والعامة.
3 -إن إثم تقاعس جيلنا عن النفير في القضايا المعاصرة. . . أشد من إثم سقوط الأراضي الإسلامية السابقة والتي عاصرتها أجيال مضت) اهـ
(3) من الشبه التي يلقيها المثبطون عندما يقال لهم؛"أن الجهاد صار فرض عين، ويتعين على كل مسلم النفير لتحرير بلاد المسلمين المسلوبة"؛ شبهة ان خروج المسلمين جميعا للجهاد يعني تعطيل مسيرة الحياة في باقي البلاد الإسلامية!
يقول الشيخ عبد الله عزام ردا على هذه الشبهة:(يرى بعض الناس أن النفير -كما يطلب الإسلام بحيث تخرج المرأة دون إذن زوجها والولد دون إذن والده- هذا أمر عسير جدا لأسباب؛
1 -إن أية بقعة إسلامية لا تتسع لعشر معشار المسلمين.
2 -إن هذا يؤدي إلى الإخلال بعملية التربية الإسلامية التي تعتبر الأمل بإذن الله -عزوجل- في إنقاذ الأمة.
3 -إن هذا يؤدي إلى عملية تفريغ للبقاع الإسلامية إذ كل واحد يأتي للجهاد في فلسطين أو أفغانستان إنما يترك ثغرة للشيوعيين والبعثيين والقوميين والعلمانيين في بلده.
الجواب؛ لو طبق المسلمون أمر ربهم ونفذوا حكم شريعتهم في النفير أسبوعا واحدا لفلسطين، فإن فلسطين ستتطهر نهائيا من اليهود وكذلك في أفغانستان لا يطول الأمر لو نفرت الأمة، وعندئذ لا تشغر أماكن الدعاة ولا تتدمر بيوتهم بخروج نسائهم. ولكننا ننتظر في كل مرة ونبقى ننظر إلى الإقليم الإسلامي الذي وقع تحت سيطرة الكفار حتى يبتلع ثم نؤبنه بخطب رنانة ودموع هتانة وحوقلات حرى وتأوهات كثيرة.
إننا نفكر بالإسلام تفكيرا إسلاميا قوميا، فلا تتعدى نظراتنا الحدود الجغرافية التي رسمتها لنا معاهدة سايكس-بيكو، أو خطها جون أنطون البريطاني أو الفرنسي) [الدفاع عن أرضي المسلمين] .