ثم لما ضَعُفَ تمسكنا بديننا وفسد حكامنا؛ أصابنا الوهن، فأعاد الروم علينا الكرة بعد قرونٍ بحروبهم الصليبية المشهورة، إلى أن أخذوا منا المسجد الأقصى، ولكن بعد تسعين سنة استعدنا قوتنا بعودتنا لديننا، فاسترجعنا المسجد الأقصى - بفضل الله - [[1] ]على يد قائد حكيم ومنهج قويم، فالقائد؛ صلاح الدين رحمه الله [[2] ]والمنهج؛ الإسلام وذروة سنامه؛ الجهاد في سبيل الله [[3] ].
(1) أخذ الصليبيون القدس سنة 492 هـ، قال ابن كثير رحمه الله: (لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرًا) اهـ [البداية والنهاية: ج12/ص156] .
ثم استرجعها منهم المسلمون سنة 583 هـ، قال السيوطي رحمه الله: (وفيها كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السلطان صلاح الدين كثيرًا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج، واعظم ذلك؛"بيت المقدس"، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهَدَمَ ما أحدثوه من الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا ... ) [تاريخ الخلفاء: ص519] .
(2) السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ ولد سنة 532 هـ في"تكريت"من أرض العراق، وتوفي سنة 589 هـ، وله من العمر سبع وخمسون سنة، قضى جلها في الجهاد، وأكرمه الله بأن جعل فتح بيت المقدس على يديه.
قال ابن كثير: ( ... رحمه الله، فقد كان ردءًا للإسلام وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه ... ويقال؛ إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد ... وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله. .. لم يخلف أموالًا ولا أملاكًا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم - حتى إلى أعدائه - ... وقد كان متقللًا في ملبسه، ومأكله ومركبه. .. ولا يعرف أنه تخطى إلى مكروه ... بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلًا ونهارًا، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد الفرائد ... وكان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال؛ إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته ... وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث ... وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين) [البداية والنهاية: ج13/ص5] .
(3) ترجع هزيمة العدو الصليبي - بعد توفيق الله سبحانه وتعالى - إلى عدة أسباب من أهمها:
1)إحساس الأمة بخطورة الهجوم الصليبي بسبب همجيته، والتدمير والتقتيل والتشريد والقهر والإذلال الذي تعرضت له.
2)قيام العلماء بدورهم في التحريض والتعبئة، وتذكير الأمة بمكانة القدس الشريف الدينية، وفضل الجهاد والشهادة، وتوعيتهم بحقيقة العدو وطبيعة أهدافه التوسعية.
3)بدأ المجاهدون التحرك الجاد من أجل توحيد الجهود ضد العدو الصليبي، أي كان شعار المرحلة"فلنترك خلافاتنا جانبا ولنتحد جميعا حول جهاد عدونا المشترك".
4)ظهور عماد الدين زنكي كقائد عام للحركة الجهادية ضد الصليبيين ... البديل الصحيح لعجز الحكام وضعفهم، وفشلهم السياسي والعسكري، بسبب جديته وجهاده، لأن الرجل وضع كل إمكانياته في خدمة الهدف الإسلامي المرحلي المتمثل في جهاد الصليبيين.
5)بروز الإمام صلاح الدين الأيوبي الذي واصل المسيرة الجهادية، وقام بمجموعة من الخطوات، كانت أهمها إزالة دولة الفاطميين الشيعية، وتوحيد السلطة والقرار في مصر.
6)ترتيب أوضاع المجاهدين الداخلية في كل من مصر والشام لمدة ست سنوات [572 - 577 هـ] ، وعدم توسيع دائرة الصراع مع الصليبيين، وبالموازاة تحقيق مجموعة من الانتصارات التي توجت بهزيمة العدو في حطين 582 هـ. بعد حطين، بدأت المدن والقلاع الصليبية تستسلم، فاتجه الإمام صلاح الدين صوب القدس الشريف، وتم فتحها بعد حصار قصير. وعليه، فلقد أدرك العدو الصليبي - كما أدرك إمامنا صلاح الدين - أن مفتاح القدس يوجد في مصر، أي السيطرة عليها تعتبر مقدمة ضرورية لا يمكن تجاوزها. [انظر: الحروب الصليبية بين الماضي والحاضر، لأبي أيمن الهلالي، مجلة الأنصار] .