ولتعلم أن الكتاب المسمى بقاطيغورياس، موضوع للشداة الذين لم يتدربوا، ولم يبلغ فيه من التحقيق ما ينبغى، بل قد يجوز فيه كل التجويز تخفيف، فكأن حال الإنسان المصارع، التى بها لا ينصرع، وبتوسطها يتمكن من أن يصرع غيره، على هذه الجملة التى أشير إليها في هذا الكتاب، حالة معروفة، يمكن أن يدل عليها؛ فإذا فصل على المتعلم أن ههنا حالة بها لا ينصرع، وحالة بها يصرع، تشوش على المبتدىء وعسر فهمه، فأهمل كما أهمل كثير من الأشياء في هذا الباب؛ ثم الواردون من بعد، شوَّشوا الأمر فيه ولم يتركوه على الظاهر.
وقد ظن قوم أنه يمكن أن تجعل القوة على أن لا ينفعل واللاقوة على أن لا ينفعل، قوة واحدة، ذات اعتبارين مختلفين بالقياس إلى شيئين، مثل اللين، فإن له قوة على، أن ينقطع بسهولة، وليست له قوة على أن لا ينقطع بسهولة، وتلك كيفية واحدة فيه بعينها، والذى ليس له قوة على أن يمرض بسرعة، فله قوة أن لا يمرض بسهولة، والذى له قوة أن يمرض بسرعة، فليس له قوة أن لا يمرض بسرعة، والذى له قوة أن لا ينصرع بسهولة، ليس له قوة أن ينصرع بسهولة. فهذه كيفية واحدة يقال لها من جهةٍ إنها قوة، ومن جهة إنها ليست قوة؛ لكنه وإن كان كذلك، فإن عادتهم في أن ليس قوة، إنما هى فيما ليست له قوةُ مقاومةِ قوةِ الفعل، واللاقوة، الذى هو ضعف طبيعى، الذى بالحرى أن يقال له في بعض المواضع إنه عجز.
وأما أن لا يكون قوة على سرعة القبول والمطاوعة، فكأنهم ليسوا يدخلونه في هذا الباب، ولذلك يبقى لهم الأقسام ثلاثة: قوة انفعال، وقوة مقاومة، وقوة فعل. فإن لم يفعلوا هكذا، ولكن جعلوا قوة المقاومة عجزًا بالقياس إلى سرعة الانفعال، وكان الجامع بينهما، أن كل واحد منهما استكمال في أخذ ما عليه القوة الأولى من أن ينفعل وأن لا ينفعل، فإنه حينئذٍ يكون بينهما جامع هو الذى يميل إلى أن يجعله النوع من الكيفية الذى هو هذا الجنس،ويجعل هذين نوعين متقابلين تحته، أحدهما يسمى قوة طبيعية، والآخر عجزًا طبيعيًا. لكنا نحتاج إلى جامع، بين هذا الجامع، وبين الذى هو قوة فعل وهذا يعسر، فليكن هذا الجامع أن في الشىء مبدأ به يتم حدوث أمر حادث، على أن حدوثه مترجح به. فإن فعلنا هذا وتكلفنا، كانت القوة الفاعلية، التى بسهولة، والتى للمقاومة، والتى للانفعال بسهولة، داخلة في هذا الصنف.
ولكن الشناعات المذكورة، وغيرها، تكون باقية وتكون القسمة إلى الأربع قسمة متداخلة لا مفصلة. ولنقتصر الآن على ما قلناه، فإما إن أوردنا في هذا الباب جميع مايجب إيراده طال، ولا كبير جدوى في تقديم هذا الكتاب على المنطق، فضلا عن إطالته؛ ولا ينبغى أن يظن بسبب وقوع غايات هذا الجنس، إما في مقولة خارجة عن الكيفية، وإما في نوع من الكيفية غير هذا النوع.
إن هذا النوع قد يقع خارجًا عن الكيفية، أو يداخل نوعًا آخر تحتها، مثاله أن المصارعى له قوة على أن يحدث في آخر صرعا، وعلى أن لا يحدث فيه نفس صرع، وهيئة الصرع أعنى الغاية التى تحصل عنه، لا التحريك إلى الغاية هى من باب الوضع، والتحريك من باب الفعل، وكذلك الممراض، له قوة، علىأن يقبل المرض بسهولة، والمرض من النوع الأول من أنواع الكيفية. فإنا لا نسمى المصارعى مصارعيا لأنه بالحال المذكورة من الصرع، ولا الممراض ممراضا لأنه موجود فيه المرض، بل من قبل أن لهم قوة على ذلك وإن كانت في نفسها معنى فعليًا به يقال إنه كيف هو؛ ولكن تلك الفعلية ليست صرعا ولا مرضا.
فصل (ه)
والجنس الثالث من التى هى أنواع من الكيفية، وجنس الأنواع من الكيفية، حاله في أنه لا اسم يعمه، حال الجنس الثانى. وكذلك فإنه لم يذكر له رسم عام، بل جعل له اسمان، وجعل أحد الاسمين مقولا على أنواعه بالاشتراك، والآخر مقولا عليها قولًا مجازيًا. وذلك أن هذا الجنس يقال له جنس الكيفيات الانفعالية والانفعالات، فتكون الكيفيات الانفعالية، منها ما يشبه الملكة من النوع الأول، والانفعالات ما يشبه الحال منه. واسم الكيفية الانفعالية يقال على بعض أنواعها، لأنها تحدث من انفعال مثل الصفرة التى تتبع المزاج الحاد المستحكم في الكبد، ويقال على بعضها لأنه يحدث منه انفعال لا في كل شىء بل في الحواس.