فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 781

ثم إن أمر السهولة أيضًا مشكِل، فإن الشىء إنما يكون سهلًا بالقياس إلى شىء آخر، فيشبه أن يكون كل حرارة فلها شىء هى بحسبه سهلة الإحراق، وشىء هى بحسبه صعبة الإحراق.وكذلك حال المصراعى، فإن شيئًا واحدًا يكون بالقياس إلى شىء قويًا على أن يصرعه وبالقياس إلى شىء آخر قويًا على أن ينصرع منه، بل قد يكون من الناس من هو بالقياس إلى أكثر الناس صراع، وقد يكون منهم من هو بالقياس إلى أكثرهم منصرع، فيشبه أن تكون القوة هى هذه، أى أن يكون صرعه أكثر من انصراعه، فتكون القوة الفاعلة فيه أرجح من المنفعلة لأمرٍ ما لا محالة موجود فيه، فيكون كل واحد من القوى والضعيف فيه الشىء الذى يصرع به، لكن لأحدهما أشد وللآخر أضعف. فالذى فيه قوة أن يصرع أشد ففيه قوة أن ينصرع أضعف، والذى فيه قوة أن ينصرع أشد ففيه قوة أن يصرع أقل، ففى كل واحد منهما قوة الأمرين، ولكنها في أحدهما أكثر وفى الآخر أقل.

فترى القوتين هل إنما يختلفان في طبائعهما بالشدة والضعف، بعد أن يكونا من نوع واحد؟ وليس كذلك بل الحرارة الضعيفة مخالفة للحرارة القوية في نوعها، فإن كانتا متخالفتين، فيشبه أن تكون القوة مخالفة للعجز في النوع، وإن لم تكونا متخالفتين، فلا تكون القوة مخالفة للعجز في النوع بل تكون كالخط الأطول والأقصر؛ فأمثال هذه الأشياء تَشْكُل فيما قيل.

وأيضًا فإنه لو كانت القوة على أن تفعل بسهولة، والقوة على أن لا تنفعل بسهولة، وعدم القوة على أن لا تنفعل بسهولة، وعدم القوة على أن لا تفعل بسهولة، تعد عدًا تحت الكيفية على أنها أنواع قريبة، لكان قد يمكن أن نتساهل في جميع ذلك. لكن إنما تعد على أنها منحصرة تحت جنس هو نوع للكيفية، وعلى أنها في القسمة الثانية.

ثم إذا أريد تعرف ذلك الجنس لم بدل عليه إلا بأن يقال، إنه الذى منه كذا وكذا؛ فلا يدل على طبيعة عامة أخص من الكيفية وأعم من كل واحد من هذه، وإن كان قد يمكن أن يتكلف ذلك على سبيل إجحاف على الحق.

وعلى أن ههنا شيئًا آخر وهو أن قولهم: إن اللين هو الذى ليس له قوة أن لا ينقطع، إما أن يشيروا بهذا إلى عدم كيفية، لو كانت لكانت قوة مقاومة، وكان بها لا ينقطع الشىء سهلًا، من غير أن يراد بإزائها إثبات معنى، فيكون اللين حينئذٍ عدم كيفية ليس كيفية؛ وإما أن يراد بذلك إثبات معنى به ما يستعد لسرعة قبول الانغماز، فلا يكون إلا القوة الانفعالية، وهذا أحرى أن يكون فإن اللين بالحرى أن يكون معنى لا عدم معنى، والصلابة كذلك؛ فحينئذٍ يكون ما سمّوه لا قوة، هو قوة انفعالية شديدة الاستعداد، سواء قلت: إن قوة، أن لا ينقطع، كيفية قائمة، بها تمنع المادة، أو قلت: إن قوة أن لا ينقطع، ليست كيفية قائمة.

ولكن عدم المطاوعة المادية، فإن ذلك إن كان عدمًا، فالذى يقابله في المادة،يكون معنى وجوديًا وكيفية، فيكون إذن اللين ليس نفس عدم شىء، بل هو معنى محصّل يقارن العدم. فيظهر أن هذا اللفظ ههنا، وهو قولهم، لا قوة، لفظ مجازى، يحتاج إلى وجه يصرف إليه؛ إذ قد أخِذ فيه، يدل تلك الكيفية، لفظ يدل على أمر يلزمها، وهو عدم شىء آخر لا يخالطها، فلا يبعد أيضًا أن يكون اللفظ الآخر وهو القوى، سبيله هذه السبيل. ويكون، وإن كان معناه الأول، أنه هو الذى يقوى على أن يفعل بسهولة، فليس الغرض من استعماله ذلك، ولا المراد بالقوة هذه القوة، ولكن ما يلزمها هذه القوة، وهو أن يكون الشىء في نفسه مثلًا عسر الانصراع، فيتبع ذلك، أن يكون سهل الصرع لغيره، حتى تكون الحالة التى بها يكون الشىء عسر الانصراع، هى من هذا الجنس من الكيفية، وقد دل عليها بما يلزمها، كما هناك، إذ دل هناك على قوة ما، بما يلزمها، وهو لا قوة أخرى، ولم يرد بها نفس تلك اللاقوة.

وكذلك ههنا أيضًا، يكون لم يرد بالقوة نفس تلك القوة، حتى يكون كأنه يقول: إن المعنى الذى به يقاوم الشىء ما يفعل فيه حتى يتوصل به إلى أن يفعل في الآخر بسهولة، أو لا ينفعل عنه بسهولة، هو الباب المسمى قوة. فإن فُهِم هذا القول على هذا التأويل انزاحت العلل، ولم تدخل أشياء من أجناس أخرى في هذا الجنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت