فهرس الكتاب
وأما المتضايفان، فليس يجب فيهما التعاقب على موضوع، أو اشتراكهما في موضوع، حتى يكون الموضوع، الذى هو علة لأمر ما، يلزمه لا محالة إمكان أن يصير فيه معلولا، أو يكون هناك موضوع مشترك. وإن كانت العلية والمعلولية من المضاف، فأول ما ينبغى أن يطلب، أنه هل يمكننا أن نجد لهذه كلها معنى جامعا، ولو على سبيل التشكيك في التقديم والتأخير، إن لم يكن على سبيل التواطؤ البحت، أو لا نجد لها معنى جامعا ؟ لكن التقابل مقول عليها، فيشبه أن يكون التقابل الأول هو نظير ما للفرس للافرس، الذى يمنع اجتماع طرفيه، قولا عى موضوع، وإن لم يمنع ذلك، وجودا في موضوع. فإنه لا يكون شئ واحد هو رائحة ولا رائحة، ويكون شئ واحد فيه رائحة وما ليس برائحة، ولست أقول: إنه يجتمع في شئ أن يكون فيه رائحة وليست فيه رائحة، فإن هذين لا يجتمعان. وليس قولنا إن فيه رائحة وليس فيه رائحة، هو قولنا فيه رائحة وما ليس برائحة؛ ولا يقال إنه رائحة. فإذن تقابل: أن فيه رائحة وليس فيه رائحة، هو من القسم الأول الذى على سبيل الحمل؛ فلذلك يحمل على التفاحة أن فيها رائحة، فيقال إن التفاحة فيها رائحة، ولا تحمل رائحة على التفاحة، حتى يقال، إن التفاحة رائحة، فلذلك هى موجودة"فى"، لا محمولة"على".
فجميع الأشياء المتباينة الطبائع تكون متقابلة، من حيث إن كل واحد منها ليس هو الآخر. وهذا هو تقابلٌ أول، ثم نقل التقابل عن اعتبار الحمل على موضوع إلى اعتبار الوجود في الموضوع. فجعلت حال الأمور التى تشترك في عام أو خاص، تكون موجودة فيه بالقوة معا، ولا تجتمعان بالفعل معا، تقابلا. فبعضه يختص بالقول، من حيث هو حكم، كالإيجاب والسلب، الذى موضوعها المحمولات والموضوعات تتعاقب فيه ولا تجتمع معا، وهذا بحكم القول. وليس في الوجود حمل ولا وضع. وبعضه يكون من خارج، فمن ذلك ما تكون الشركة فيه عام، ومنه ما تكون الشركه فيه خاص معين، ويكون المشترك فيه طبيعة هى بالقوة كلا الأمرين، لكن لا يجتمعان فيه بل يتعاقبان عليه.
فالمتقابلات تقال على هذه التى بعد الباب الأول، بمعنى أنها معان اشتركت في موضوع لها أن توجد فيه، إلا أنها لا تجتمع فيه، فيكون معنى هذا التقابل كالجنس لأقسام له كالأنواع، إما أقسام محققة، وإما أقسام بحسب ما يصلح للمبتدئ، وتكون أسهل على متعلم قاطيغورياس.
فلنقسم الآن على الوجه الذى ينبغى أن يفهم عليه الاصطلاح الذى في قاطيغورياس، وهو غير المصطلح عليه في العلوم، ومَنْ تجثم أن يجمع بين الأمرين فقد عنِّى نفسه. أما القسمة التى في قاطيغورياس فتخرج على هذا الوجه: المتقابل إما أن تكون ماهيته مقولة بالقياس إلى ما هو مقابل له، وإما أن لا تكون. فإن كانت ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، فهو تقابل المضاف كالأبوة والبنوة. أما أنه تقابل فلأن الأبوة والبنوة وما يجرى مجراهما، تشترك لا محالة في موضوع، إما عامى كالإنسانية بل والجوهرية بل كالموجود أو غير ذلك، وإما خاص كهذا الإنسان يكون يمينا لزيد ثم يصير شمالا له. وأما أنه مع التقابل، مقول الماهية بالقياس، فأمر لا شك فيه. وأما الذى ليست ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، فإما أن يكون الموضوع صالحا للانتقال من أحد الطرفين بعينه إلى الآخر من غير انعكاس، وإما أن لايكون كذلك، بل يكون صالح الانتقال من كل واحد منهما إلى الآخر، أو ولا عن أحدهما إلى الآخر لأن الواحد لازم له؛ فيسمى القسم الأول تقابل العدم والقُنْية، ونعنى بالقنية، لامثل الإبصار بالفعل، ولا مثل القوة الأولى التى تقوى على أن يكون لها بصر، بل القنية أن تكون القوة على الإبصار، متى شاء صاحبها، موجودة، فإنَّ فّقْد القوة الأولى ليس بعمى، ولا فقد الإبصار بالفعل، بل الإبصار بالفعل، وإن لا يبصر بالفعل لكن بالقوة، هما أمران يتعاقبان على الموضوع تعاقب الحركة والسكون؛ إنما ذلك هو فقد ما سميناه قنية، فحينئذ، لا يمكن أن يبصر البتة، بل عمى لا يعود الموضوع معه إلى الإبصار مرة أخرى. فالعدم الذى ههنا، ليس هو العدم الذى يقابل أى معنى وجودى شئت، بل الذى يقابل القنية؛ فإن العدم يقال على وجوه، ولسنا نريد الآن أن نحصى جميعها، بل ما يعنينا في هذا الموضوع، فنقول: