فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 781

إنه يقال للشىء عدم كذا، ويشار إلى حال ماَّ للمادة في كونها خالية من الشىء الذى يخليها، والشىء الذى له معنى وجودى سواء كان قارنها ما خالف ذلك الشىء الوجودى، أو لم يكن، مثل عدم السواد فيما من شأنه أن يسود، سواء كان هناك بياض خالف السواد في موضوعه أو لا يكون، بل يكون إشفاف مثلا فقط ولا لون ألبتة. فإنه إذا كان هناك بياض، فليس البياض وعدم السواد في ذلك المحل شيئا واحدا، ولو كانا أيضا متلازمين، بل البياض معنى قائم بإزاء السواد؛ فهذا وجه من وجوه اعتبار العدم ومقابله.والآخر، العدم الذى يعتبر بشرط أن يزول المعنى الوجودى ولا يخلفه شىء، كالسكون. فإن الذى ينزل، إنما يقال له في وقت آخر إنه ساكن عادم الحركة، لا إذا كان ليس ينزل، فقط إنما هو يصعد، ولكن عند ما لا يكون فيه حركة مكانية ألبتة، فهذا العدم بالحقيقة مقابل للجنس، الذى هو ههنا الحركة المكانية مطلقة. وقد يقال عدم، بشرط فقدان الشىء الذى من شأنه أن يكون لفاقده من الموضوعات، وفى الوقت الذى من شأنه أن يكون له، حتى لا يقال إن في النطفة عدم الإنسانية بهذه السبيل، ولا في الصبى عدم الإيلاد إذ ليس وقته.

ومن العدم ما يقال قبل الوقت، كالمرد، فإنه لا يقال لمن عدم اللحية في وقت الإنبات بسبب داء الثعلب إنه أمرد. ومنه ما يقال بعد الوقت، كالصلع، يكون بعد وقت الوقور، والنعم، ومنه ما هو بالقياس إلى الجنس، لا إلى النوع، مثل العجمة بإزاء الناطق؛ أو إلى النوع، لا إلى الشخص، مثل حال المرأة إلى الرجل؛ ومنه ما هو بالشخص على الأقسام المذكورة. وهذه كلها لا يلتفت إليها في هذا الكتاب. إنما العدم المقصود فيه، هو العدم الذى هو فقدان القنية في وقتها، أى فقدان القوة التى بها يمكن الفعل إذ صار الموضوع عادما للقوة، فلا يصلح بعد ذلك أن يزول العدم، كالعمى؛ وأما القنية فستزول إلى العدم. فهذا هو التقابل العدمى المذكور في قاطيغورياس.

وأما القسم الثانى من القسمين اللذين ذكرناهما أولا، وما دخل فيه، فجميعه سمى في قاطيغورياس أضدادا، كان أحدهما وجوديا، والآخر عدميا بالوجوه المذكورة للعدمى، أو كان كلاهما وجوديا. وكذلك إن كان الموضوع ينقل من كل واحد منهما إلى الآخر، أو كان أحدهما طبيعيا لا ينتقل عنه ولا إليه، كالبياض للجص. وسواء كان الموضوع واحدا بعينه، كالماء للتسخن والتبرد، أو كان معنى عاميا، مثل العدد للفردية والزوجية، فإنه ينسب إليهما من حيث يوجد عددا على الإطلاق، لا من حيث هو عدد معين. وهو من حيث هو عدد معين، لا يصحب إلا إحداهما، ومن حيث هو عدد غير معين لا يجب أن يقبل إحداهما دون الأخرى. وسواء كان الشيئان بينهما واسطة، فلا يجب أن يكون الموضوع، إذا خلا عن أحدهما، وجد فيه الآخر أو لم يكن كذلك، بل كان إما طبيعيا لا يفارق، وإما بحيث إذا خلا عن الآخر لزمه الثانى، كالصحة والمرض، فإن جميع هذه، نسميها أضدادا في هذا الموضع من حيث المعنى الجامع، فنسمى الحر والبرد، والصحة والمرض، والزوج والفرد، والحركة والسكون، أضدادا، ولا نبالى بأن يكون أحدهما هو معنى وجودى، والآخر معنى عدمى، وعلى أى أنحاء الأعدام كان، إذا كان ليس عدما، على النحو المذكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت