فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 781

"وأن يعمى". والبصر،"وأن يبصر"، شيئا واحد. وكذلك يقال: زيد يعمى، ولا يقال: زيد عمى، ويكون العمى أيضا لزيد معنى يقتضى نسبة العمى إلى زيد. وأما العمى، فهو معنى مفهوم بنفسه، أو مفهوم بسبب ما عدمه، أعنى البصر إذ هو عدم البصر. فهذه ليست هى المتقابلات الأول، بل أمور تلحق المتقابلات، فيعرض لها أن تكون متقابلة.

وكذلك الحكم في الموجبة والسالبة، فإن ما يقع عليه الموجب والسالب أمر أو معنى لا قول، بل هو الموضوع، كقولك: زيد، في قولك: زيد جالس، أو زيد ليس بجالس. وأما ما يوجب ويسلب نفسه، فهو أيضًا ليس بقول، بل هو محمول في القول، كقولك: جالس وليس بجالس. فليس إذن الشئ الذى له تقابل بالإيجاب والسلب، هو الإيجاب والسلب؛ هذا إن أخذنا التناقض موجبه وسالبه. فإن أخذناه إيجابًا وسلبًا، كان الموضوع، لذلك، والموصوف به، وضعًا ووصفًا، على قياس ما كان للعمى والبصر، هو القضية. فإنها هى التى فيها الإيجاب، فيشتق لها منها الاسم، فيقال: موجبة، أو السلب، فيقال: سالبة، فيكون المتقابلان في الإيجاب والسلب ليسا هما الإيجاب والسلب، ولأن الإيجاب إيجاب في قضية، فليست القضية إيجابًا.

لذلك فإذا عرف هذا، فقد عرف حال التضاد، وحال العدم والملكة، وكان قد عرف الفرق بين المضاف وبين التضاد، فليفرق بين تقابل المضاف، وتقابل العدم والملكة فنقول: أما العدم والملكة فليس أحدهما مقولًا بالقياس إلى الآخر، أما الملكة فليست مفتقرة في تصورها إلى العدم ألبتة، فإنها قد تتصور ماهيتها في نفسها؛ وأما العدم كالعمى، فإنها وإن كانت لا تتصور إلا بتصور الملكة، فإنها ليست مقولة الماهية بالقياس إلى الملكة، فإنها غير صائرة عمى بالقياس إلى البصر، حتى يكون العمى إنما هو عمى لأجل قياسه إلى البصر، وإن كان العمى هو عدم البصر.

وقد ظن بعض الناس في هذا الموضع، أن معنى هذا الكلام أن العمى ينسب إلى البصر من طريق جنسه، حتى يكون كما قيل في النحو من أنه مضاف من طريق جنسه، وكذلك العمى مضاف من طريق جنسه أو ما هو كجنسه وهو العدم، فإن العدم معقول بالعرض. ويسبب ماهو عدمه. وليس هذا الذى قاله صوابًا بوجه من الوجوه. فإن العدم الذى هو جنس العمى، ليس مقول الماهية بالقياس إلى شئ، ولا بالقياس إلى الملكة، فإن العدم ليس إنما هو عدم لأجل أنه مقيس إلى صورة موضوعة في الذهن، بإزائها، يقال لها عدم، حتى يكون العمى عمى لأن الملكة ملكة، كما يكون الأب أبا لأن الابن إبن، فينعكس القول من الجانبين كما قد علمت، إذ قول الماهية بالقياس، معناه هو حال الشئ من جهة أن شيئا آخر موجود بإزائه، ومأخوذ بإزائه من حيث هو كذلك، لنفس كون ذلك الشئ بإزائه. وليس حال الملكة عند العدم كذلك، فإن العدم يرفع الملكة، وليس العدم إنما هو عدم لأجل أن الملكة ملكة فقط، بل إنما هو عدم للملكة لا على أنها تجعل الملكة بحال، بل على أنه منسوب إليها بأنه زوالها وفقدانها لا فقدان شئ آخر كيف اتفق، ولذلك لا تحتاج الملكة أن تقال ماهياتها بالقياس إلى العدم المأخوذ بإزاء الملكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت