فهرس الكتاب
فلما كانت المضافات مقولة الماهية بالقياس، وكذلك ما يتكافؤ المضافان في العكس الخاص بالمضاف، ولم يكن العدم والملكة على هذه الصورة، فلا يقال: إن البصر بصر للعمى، ولا أن البصر إنما هو بصر لأجل العمى، كما ربما نقول: إن العمى عمى البصر. فظاهر أن العدم والملكة ليسا متضايفين، وكان قد علم بإشارةٍ ما أنهما غير متضادين، فإن المتضادين اللذين لا واسطة بينهما حكمهما أحد الحكمين: إما أن يكون أحدهما طبيعيا للموضوع، يستحيل وجود الموضوع خاليًا عنه، كالفردية للثلاثة في ظاهر الأمر، والحرارة للنار؛ وإما أن لا يكون أحدهما طبيعيًا، فلا يكون الموضوع في شئ من الأوقات خاليًا عن أحدهما ألبتة، مثل الصحة والمرض لبدن الإنسان. ثم العدم والملكة، فقد يكون الموضوع خاليا عنهما جميعًا، قبل الوقت الذى من شأنه أن يكونا فيه، مثل الجرو الذى لم يَفْقَح، فإنه لا بصير ولا أعمى؛ ولا يكون أحدهما طبيعيًا بعينه للموضوع في وقت كونه، فهذا التقابل ليس فيه أحد حكمى التضاد الذى لا واسطة فيه. وأما التضاد الذى فيه واسطة، فإن الموضوع في وقت صلوحه للطرفين، قد يخلو عن الطرفين إلى الواسطة، ولا كذلك حال تقابل العدم والملكة، فإن الموضوع لا يخلو في وقت صلوحه لهما عن أحدهما. وأيضا فإن الأطراف من المتضادات، إذا لم تكن طبيعية فقد يمكن أن تنتقل من كل واحد منهما إلى الآخر، فإنه ليس ما يقال: إن الذى له ملكة الرداة، لا ينتقل إلى ملكة الصالحين بشئ، فإنه لما كان إذا عاشر الصالحين انتقل إلى عاداتهم ولو يسيرًا، فيوشك أن ينتقل عند الارتياض إلى التمام، أو يقارب التمام إن لم يخترم. ولا كذلك حال العدم والملكة، فإن الملكة تنتقل إلى العدم، والعدم لا ينتقل إلى الملكة، لا قليلًا ولا كثيرا، فإن الذى يكون غير بصير، ثم يأخذ يبصر يسيرًا يسيرًا، فليس بأعمى، بل حكمه حكم محجوب أو مغموم أو معصوب البصر، يحتاج أن يزال المانع وينمحى. فالملكة التى هى القوة المبصرة ثابتة موجودة فيه، إنما العمى بالحقيقة أن تكون الملكة قد زالت، فأما إذا حجبت أو غمت، فليس ذلك بعمى، فقد افترق التقابل الذى للعدم والملكة، والذى للمتضادات.
فأما التقابل الذى هو التناقض، فيفارق الجميع من جهة أن المتناقضين يصلح فيهما الصدق والكذب، وليس في العمى ومقابله، ولا في الحرارة ومقابلها، ولا في الأخ ومقابله، صدق ولا كذب. وأيضًا فإن المتناقضين إذا كانا على شرائط، لزم أن يصدق أحدهما ضرورة، ويكذب الآخر، ولا كذلك الحال فيما سوى المتناقضين. ولا أيضا إن ألّف مما سواهما قضايا، حتى يكون مكان صحيح وليس بصحيح أحد الأضداد التى لا وسائط بينها. كالصحيح والمريض، فإنه وإن كان زيد إذا كان موجودًا فقيل: إنه صحيح وإنه مريض، يصدق أحدهما ضرورة،ويكذب الآخر. فلا ينبغى أن يظن أن هذا القسم من التضاد يقابله تقابل النقيض، وذلك لأن الصحيح، وما ليس بصحيح، إذا قرنا بأى موضع شئت، وبالمعدوم، قرنا على شرط النقيض، ثبت تقابل النقيض، وصدق أحدهما، وكذب الآخر. فإنك إذا قلت: الحجر صحيح، والحجر ليس بصحيح، صدق السالب منهما؛ فإذا قلت:الحجر صحيح، الحجر مريض، كذبا جميعا.وكذلك إذا جعلت الإخبار عن زيد، وهو معدوم، كذب أنه صحيح، وكذب أنه مريض، ولم يكذب أنه ليس بصحيح. فإن السلوب كلها تصح عن المعدومات، وذلك لأن اإيجاب للمعانى الموجودة يكذب عليها، إلا بشرط وحال ليس هذا موضع بيانه،لأن الإيجاب حكم بوجود معنى لمعنى. أو وجود وصف لأمر، ولا يوجد المعنى لما ليس بموجود، وأن لا يوجد، فهو السلب. فإذا كان ما لا يتوسط فيه من المتضاد يفارق المتناقض، فكيف اللواتى بينها متوسط، التى قد يكذب الطرفان معا جميعًا في الموضوع الموجود القابل لهما، كما إذا قيل للعفيف إنه خامد الشهوة، أو فاجر. وبين بالجملة أنك إذا نظرت إلى التضاد من حيث هو تضاد، لم يوجب ما يوجبه التناقض، وإنما يعرض له ما يشبه ذلك لبعض المتضادات، وفى بعض الموضوعات خاصة، لا لأنها تضاد بل لأنها لا واسطة لها.