فهرس الكتاب
ومن هذا الوجه كله، يتضّح الفرق بين تقابل التناقض وتقابل العدم والملكة، فإن الموضوع الغريب كالحجر، والمعدوم كزيد المتوفى، يكذب عليه القولان المؤلفان من العدم والملكة، كقولنا: الحجر بصير، الحجر أعمى، أو قولنا: زيد المعدوم بصير، زيد المعدوم أعمى. ولا يكذب المتناقضان معًا إذا قلنا: الحجر أو زيد المعدوم بصير، الحجر أو زيد المعدوم ليس ببصير. وأيضا فإن الموضوع الذى ليس بغريب، قد يكذب العدم والملكة فيه إذا لم يكن الوقت الذى من شأنه أن يكون فيه، كقولنا للجرو الذى لم يَفْقَحّ بصير أو أعمى، ولا يكذب أنه ليس ببصير.
فصل (ج)
الشر على الإطلاق من حيث هو شر، يظن أنه ضد الخير على الأطلاق، فكل واحد من جزئيات الشر، ضد لواحد من جزئيات الخير، كالمرض للصحة، والجور للعدل، والجبن للشجاعة، والفجور للعفة، فهذه حال مضادة الشر للخير. وأما مضادة شر آخر للشر، فقد يكون الذى يضاد الشر شرا آخر. وذلك لأن الملكات المتوسطة بين طرفى الإفراط والتفريط، في الأمور المتعلقة بالشهوة والغضب، والمتعلقة بالتدبير الجزئى في اقتناء الخير إلا لشىء، تتعلق بها الفضائل اللواتى هى كالشجاعة والعفة وحسن التدبير الذى يسمى حكمة، وتكون هى الفضائل؛ والإفراطات والتفريطات تتعلق بها الرذائل فإن الجبن، والتهور، والخمود، والفجور، والجريزة والغباوة، رذائل. والتوسط يضاد الطرفين، وكل واحد من الطرفين يضاد الآخر لبعده عنه، وهذا التوسط المضاد للطرفين إنما يوجد في يسير من الأمور نحو التى ذكرناها. وأما في أكثر الأشياء، فإن الخير يضاد الشر مطلقا، ولا يوجد للشر شر يضاده مثل الصحة والمرض، والعلم والجهل، والحياة والموت. فمن ذلك ما الإفراط فيه كله ردىء، كالمرض، ومن ذلك ما الإفراط فيه كله خير، كالعلم، فهذا هذا. وقد قال بعض المفسرين في شرح قولهم: وهذا في يسير من الأمور التى تخالف هذا القانون، أن قائل هذا القول، يعنى به أن بعض الوسائط في الإفراطات والتفريطات ليست بخير، مثل القتل فإنه ليس الوسط فيه بخير، بل كله ردىء؛ وأما اللاقتل فكله خير، وليس إنما يكون الطرف فيه يعينه فقط هو الردىء.
وليس الغرض في هذا الكتاب هذا، بل الغرض أن من الشرور ما يوجد له خير بضاده، وشر أيضا يضاده، وذلك إذا كانت هناك طبيعة موضوعة للإفراط والتفريط، من أول حدود الإفراط إلى آخر حدود التفريط، ذاهبا باتصال واحد. فهناك يوجد متوسط وطرفان في الطبع، ويكون المتوسط خيرًا أيضًا يضاد الطرفين اللذين يضاد كل واحد منهما الآخر، وهذا في يسير من الأمور. وليس الحكم في كل الأمور هكذا، فان العلم خير، والجهل شر، وليس هناك للشر ضد إلا الخير. وليس هناك وسط هو خير وطرفان هما شر، وكذلك الحال في أشياء أخرى كثيرة. فهذا معنى ذلك الكلام للمعلم الأول، إليه ذهب، ولم يلتفت إلى متوسط بين الطرفين للإفراط والتفريط وضعيين، كما ذهب إليه هذا الشارح. ولو ذهب إلى ذلك، لكان إنما يرينا أن الشر ليس الذى يضاده فلان، وليس غرضه أن يرينا هذا، بل غرضه أن يرينا أن الشر الذى يضاده الخير، يضاده الشر، وربما لم يضاده. وليس في الذى أوردوه من أمر التوسط ذلك.