فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 781

وأما حديث القتل أيضًا، فإنه ليس مثالا حسنًا في ذلك، لأن قتل من ينبغى حين حين ينبغى على الوجه الذى ينبغى، هو من أفعال الشجاعة، ومن الواجب في حفظ المدينة، وهو خير، كما أن ترك قتل من ينبغى قتله على الوجه الذى ينبغى وحين ينبغى، هو من الشر. وبعد هذا، فيجب أن نعود إلى عادتنا في التعقب، فنقول: ينبغى أن تعلم، أن الخير ليس يضاد كل واحد من الرين بالذات، لأن الشجاعة ليست تضاد الجبن من حيث هو جبن، بل من حيث يشارك الجبن التهور. وذلك لأنه رذيلة مخسة للنفس، والشجاعة فضيلة، فإذن الضم بالذات للواحد واحد. وتحصيل هذا، أن النظر في هذه الملكات هو على وجهين. نظر في طبائعها ومعانيهْا، غير مضافة إلى موضوعاتها من حيث أنها تفيدها حالا يلزم موضوعاتها لأجلها محمدة أو مذمة أو منفعة أو مضرة، وهو أن ينظر في جملة الطبيعة التى بين الجبن والتهور، مارًا على الشجاعة من حيث هى ملكات يصدر عنها أفعال ما، فحينئذ لا نجد الشجاعة مضادة لأحد الطرفين، بل تكون أمرًا متوسطًا، ويكون الطرفان هما المتعاقبان على موضوع واحد، وبينهما غاية البعد، فيكونان هما الضدان فقط؛ والثانى، نظر فيهما من حيث الحال التى تحصل لموضوعها منها، وذلك باعتبار أنها أمور تناسب مصلحة نفس الانسان أو نوع الإنسان أو لا تناسبه، وهذا اعتبار أمر يعرض للكيفيات، من جهة إضافات لها وليس في ذواتها. كما أن كون الشىء حارًا أو باردًا، غير كونه موافقًا وصحة، وكون الجسم في طبيعته بحال، غير كونه دواء نافعًا أو سمًا قاتلًا، فتكون الخيرية والشرية أمرين يلزمان هذه الكيفيات من جهة مقايستها إلى الطبيعة الإنسانية، ولذلك لا يلزمانها من جهة مقايستها إلى أبدان حيوانات أخرى.

وإذ قد اتضح لك ما قلناه، فقد علمت، أن الكيفية التى تقال لها شجاعة، والأخرى التى يقال لها جبن، لا يتضادان في جوهريهما؛ بل قد علمت أن الشجاعة إنما تضاد الجبن من جهة عارض لكل واحد منهما لما اقترن بهما سمى أحدهما شجاعةً والآخر جبنًا، ةأنها لا تضاد ذلك من حيث طبيعتها نفسها شيئًا، بل طبيعتها وسط، ولكن لما كان ناء هذا الكتاب على الأمور المشهورة والمتعارفة، غير مردودة إلى الشروط التى بها تصير حقيقة، فلذلك لا يجب أن يلتفت فيه ألى هذا النحو من التحقيق. واعلم أن ههنا أمورًا أخرى بينها متوسطات، ولا يوجد المتوسط فيها مضادًا لشىء من الطرفين بوجه من الوجوه، إذ ليست لها هذه النسبة، فإن الفاتر والأدكن لا يضاد شيئًا، بل طرفًا هما المتضادان، وإن كان حال الفاتر فيما يظن ليس كحال الشجاعة، فإن الفاتر يعتقد من أمره أنه خلط من الطرفين، وأما الشجاعة فإنها طهارة من الطرفين. ومع ذلك ، فإن هذه القسمة المشهورة تتأتى في تقابل التضاد، ولا تتأتى في تقابل العدم والملكة. ومن أحكام المتضادين، أن وجود أحدهما مطلقًا، لا يوجب وجود الآخر بوجه من الوجوه إيجاب المتضايفات، فإنه لو توهمنا أن الناس كلهم صحاح، لم يمنع هذا التوهم منا معارضة وجوب المرض، ولم يبعد أن لا يكون مرض ألبتة، وإن عنينا وجود أحدهما في شىء بعينه، منع وجود الآخر معًا، كما لو قلنا: زيد صحيح، منع أن يكون مريضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت