فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 781

وبعد هذا كله فقد تعلمنا منه أن المعدوم لا يحمل عليه شئ، وعلمنا أنا إذا قلنا: إن أوميرس كان شاعرا، لم يكن حقا على معنى أن أوميرس شئ يوصف أنه كان شاعرا، بل على أن الخيال الذى من أوميرس بصفة أنه خيال يتخيل من أوميرس، ويصدق أن يقرن به معنى كان شاعرا، أى هو خيال موجود له صفة هو أنه إذا قلنا معه خيال الزمان الماضى وقرن معه معنى الشاعر صدق عليه. وأما المثال الذى أوردوه بقولهم: إن العنقاء موجود في التوهم، ففيه أيضا ظلم. وذلك لأن لفظة الموجود من قولنا الموجود في التوهم إما أن تدل على معنى أو لا تدل، فإن لم يدل واحد مفرد وهو حينئذ يدل، لم يكن المأخوذ مفردا هو المأخوذ في التركيب. وإن دل فإما أن يدل على معنى يعم الموجود في الوهم والموجود من خارج من حيث هو موجود أو لايدل، فإن دل على معنى عام هو أعم من الموجود في التوهم والموجود من خارج ثم أخذ مفردا، فيجب أن يؤخذ بذلك المعنى. فحينئذ يصدق بأن العنقاء موجود نوعا من الوجود، فإن التوهم له وجود ما، وإنما يكذب إذا أخذ العنقاء موجودا في الأعيان والخارجة، وهذا شئ أزيد من الموجود إذا أخذ بذلك المعنى. ولا يمنع أن يكون المعنى الذى يصدق في الجملة إذا أفرد وقرن به معنى آخر وشرط آخر أنه قد يكذب، كما إذا صدق على الإنسان أنه حيوان لم يجب أن يصدق عليه أنه حيوان بشرط زائد على ماكان له في الأول، حتى إذا قيل: إنه حيوان أعجم، كان صادقا. وإذا كان الموجود الذى في التوهم لا يشارك الموجود في الأعيان بمعنى من المعانى فأخذ الموجود مفردا على أنه موجود في الأعيان، أخذ معنى لم يكن ألبتة مذكورا في التركيب إلا من طريق الاسم. ومن الذى يمنع أن يكون بعض الاسماء التى في التركيب إِذا أريد به غير معناه في الأفراد جاز أن لا يصدق. فهذا هو رأيى وما يدركه عقلى، ويشبه أن يكون عند غيرى لهذا بيان آخر وحقيقة أخرى لم أدركها. إلا أن القوم لا يحلوا لهم أن يؤخروا بيان تلك الحقيقة ولا يذكرونها وهم يعلمونها ويعلمون موضع الشبه فيها إلى أن يجئ معارض فينبههم. وما أراهم يفعلون، فإنه إن كان ما ذكرناه ينحو غير النحو الذى نحوه فهو من الاعتراضات القوية الظاهرة التى لا يسكت عن التحذير منه من عنده نحو آخر وغرض آخر يكون عذرا له، بل بالحرى أن يذكر ذلك وينبه عليه ويحترز مما أوردته، فإن لم يفعل ذلك فليس إلا غفلة. وأما صاحب التعليم الأول فإنه إنما أراد في إيراد ما أورده أن يعرفنا أن بعض المحمولات تصدق فرادى، فيعرض لها بعد ذلك أن تقال مجتمعه، فتوهم معنى آخر يكذب أو يصدق مجموعه. فإِذا أفردت عرض لها أن تفهم على وجه آخر فيكذب. وحينئذ يكون إذا سلم أن كل ما يصدق متفرقا يصدق مجتمعا على المفهوم المعتاد من الاجتماعات وإن لم يكن المفهوم المحقق أو أن كل ما يصدق مجتمعا يصدق متفرقا على المفهوم المعتاد عند التفريق، وإن لم يكن المفهوم المحقق لزم من ذلك محالات ويمكن به المغالطون من تخليطات.

( د ) فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت