فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 781

وبالجملة لا تصدق أمثال هذه التركيبات إلا أن تحرف الألفاظ عن دلالتها المعتادة إلى دلالات لها مستعارة. والذى قيل في السفينة أيضا فهو من العجائب، فإنهم يدرون أنهم إِذا قالوا سفينة حجر عنوا به أنه شئ في صورة السفينة متخذ من حجر، وأما السفينة بحد السفينة فلا يصدق أن يقال على مثلها إنها حجر. فإذا كان المراد في قولهم سفينة حجر أنه شئ في شكل السفينة من حجر، فلينظر السفينة بذلك المعنى محمول على الشئ مفردا، فتجده محمولا عليه لأنه شئ في صورة السفينة. ولكن العوام لا يفرقون بين الشئ الذى يستحق اسما لطبعه ونوعه وبينه وله ذلك الاسم بمعنى محسوس ظاهر فيه، فلذلك لا يمتنعون أن يسموا الميت إنسانا والحجرى سفينة لا مفردا ولا مركبا. فإن تنبهوا للمعنى امتنعوا أيضًا عن إِطلاق ذلك مركبا، وإن لم يمتنعوا أخطأوا وزلوا. وكذلك المثال المورد من الإنسان الميت فإنه أخذ فيه اللفظة الواحدة عامية مرة وخاصية أخرى، ولو أخذ بمعنى واحد لظهر أن الأمر ليس كما يقولون بل وجدوا ما يصدق جملة يصدق فرادى. فإن قول القائل: زيد إنسان ميت، قول عامى؛ والخاصى لايقول ألبتة لشئ: إنه إِنسان ميت، ولا يجوز عنده أن يكون الإنسان والميت محمولين على شئ واحد؛ فإنه سواء عند الخواص أن يقال حى ناطق هو ميت بالفعل، وبين أن يقولوا إنسان ميت، فكما لا يمكنهم أن يقولوا زيد حى ناطق هو ميت، كذلك لا يقولون زيد إنسان ميت؛ ولا يحق أيضا أن يقولوا: إن هذا كان إنسانا فالآن هو ميت، وذلك لأن هذا لا يتناول منهما امرا واحدا، لأن الذى هو الآن هذا هو جزء من الشئ الذى كان إنسانًا لأنه بدنه، وهذا لم يكن ألبتة إنسانًا، وإن أردت التحقيق فلم يكن أيضًا موضوعا للإنسانية، لأن مقادير العناصر وكيفيات المزاج ليست كما كان حين كان موضوعا؛ ومع ذلك فإن قالوا إن هذا كان موضوعا للإنسانية وهو الآن موضوع للموت، صدقوا فرادى ومجتمعا. لكن العامة يعنون بالإنسان المصور على صورة الإنسان الظاهرة ومن مادة هى في الحس كمادته، وإِذا عنى ذلك صدق الآن أيضًا وأن يقال للميت إنه إنسان بهذا المعنى. فإن لك يوجد هكذا، بل عنى بالإنسان الذى في المركب غير ما يعنى في الإنسان الذى يلحظ إليه مفردا، فهو زيغ. وأما التمثيل بأوميرس فإن الظلم فيه ظاهر، وذلك لأن لفظة هو وموجود مأخوذة في ذلك القول الذى محموله مؤلف على أنه رابطة، والروابط في حكم الأدوات لا دلالة لها بنفسها كما علمت. فيجب أن لاتؤخذ في حال التفريق على أنها اسم حتى لا يكون المعنى في الوقتين واحدا. فإن لم يؤخذ الموجود رابطة، بل أخذ دالا على معنى حتى يكون كأنه يقول: إن أوميرس هو الموجود الذى ذلك الموجود يكون شاعرا، كذب القول بعد موت أوميرس مفردا ومركبا. فإن لم يؤخذ هكذا، بل أخذ رابطة، ولكنه عندما يحمل وحده يحمل على أنه اسم مطلق محقق مشتق من وجود الأمر في ذاته، فهو ظلم ومغالطة باشتراك الاسم؛ وإن حمل وحده على أنه رابطة لم يصدق ولم يكذب حتى يقال موجود أى شئ، وكذلك إذا قيل كان وعنى به الرابطة كان غير قولهم كان في نفسه ويعنى المحمول الكلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت