فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 781

وليس يجب من هذا أن لا يجتمع منهما محمول واحد، فهب انه ليس معناهما واحدا فما الذى يمنع ذلك من اجتماعهما واحدًا. فإن لم يفهموا من قولهم: إن الطبيب ليس معناه معنى البصير، هذا الذى ذهبت إليه، بل معنى أخص منه، فليس ذاك الذى فهموه هو مفهوم اللفظ الذى عبروا به، وليس مفهوم اللفظ الذى عبروا به غير ماذهبنا إليه، فما كان من حق المفسرين أن يسكتوا عن تعريف ذلك المعنى ويعرضوا عنه إلى وقت أن ذكروا فأخذوا يحترزون. نعم الطبيب لا يحتاج في تقويمه إلى مقارنة البصير، ولا البصير إلى مقارنة الطبيب، والحى والناطق ليسا هكذا، ولكن لفظهم لم يدل على هذه الزيادة، بل دل على المقدار الذى لا يعنى في الغرض وعلى أنه ليس في أنه لا يتقوم به ما يوجب أن يكون لا يجتمع منه معه محمول واحد بوجه ما. فإن كثيرًا من المحمولات الوحدانية أسماء لمعان مجتمعة بهذه الصفة كما يسمى الذى في بعض بدنه سواد وفى بعض بياض أبلق، كما يقال الأخيف والأشرج، وأمور أخرى تسمى من اجتماع صفات ليس يتقوم بعضها ببعض فيجعل لتلك الجملة منها اسم. ومع ذلك فليكن الطبيب والبصير ليس معناهما معنى واحد، وليكونا مع ذلك أيضًا بحيث ليس يجتمع منهما معنى واحد فلم ليس يصدق مجموعهما كأن الأشياء التى يصدق مجموعها هى التى يتحد منها معنى واحد اتحادًا طبيعيًا فقط، حتى إذا لم يكن كذلك كذب حمل الجملة، فلم لا يجوز أن يكون الشىء الذى هو طويل وكاتب محمولا عليه جملة أنه طويل كاتب ولم يكون ذلك كاذبًا عليه ذلك ؟ فأمثال هذه المذاهب مما لست أتصوره ولا أقول به، وعسى أن يكون عند غيرى بيان له يحققه. وأما ما قيل في الخصى من حمل الرجل واللارجل عليه، فإن التفت فيه إلى العبارات العامية صدق قولهم إن الخصى رجل لا رجل، وكان حينئذ معنى الرجل الداخل في الجملة ليس هو معنى الرجل الذى فيه يسلب عنه مفردًا. فإن الرجل إما أن يعني به الذى يستعمل آلة الإيلاد من الناس فيولد في غيره، أو الذى له في الطبع هذه الآلة وإن غُصبها قهرًا، أو الذى يشبه الرجل في بعض أحواله وأعضائه. وأى هذه المعانى عنى به منها فلا يجتمع مع مقابله، بالحقيقة، فإنه أن عني به أنه الإنسان الذى له أن يستعمل آلة الإيلاد في غيره فإن هذا المعني لا يجتمع ألبتة مع لا رجل الذى هو مقابله، فإنه حينئذ يكون كأنه قيل هو بحيث يستعمل آلة الإيلاد في غيره ولا يستعمل معًا، وهذا كذب، اللهم إلا أن يقال إن المراد به أنه يشبه الرجل الذى بهذه الصفة وليس هو بالحقيقة الرجل الذى هو بالصفة المذكورة، أو أنه الذى فيه بعض معانى الرجلية وليس فيه كمال معانى الرجلية. فهذا الاعتبار يصدق معه الجمع بين الرجل واللارجل حتى يحمل على الخصى، وكذلك يصدق متفرقًا، فإنه يصدق عليه أنه رجل مفرد إذا عنى بالرجل ما أريد حين قيل رجل لا رجل، وذلك أنه يصدق عليه أنه يشبه الرجل أو أن فيه بعض خواص الرجل، ويصدق أيضًا أنه لا رجل مفردًا إذا عنى باللارجل الذى ليس بالحقيقة رجلا والذى ليس فيه كمال معانى الرجلية. وإن عنى بالرجل من له ذلك في الطبع وباللارجل مقابله فهو كذب أن يقال إنه كذلك في الطبع ليس كذلك في الطبع، بل اللهم إلا أن يكون المراد بالرجل الذى له ذلك في الطبع، وباللارجل الذى ليس له أن يستعمل ذلك، فلا يكونان متقابلين ويكون كل واحد منهما صادقًا إذا حمل بالانفراد. فمن العجز أن يؤخذ الرجل حيث يقال رجل ولا رجل بمعنى ثم يؤخذ حين يفرق بمعنى آخر، فإذا كذب بهذا المعنى الآخر فيوجب من ذلك أن الوصف من جهة المعنى قد يصدق في حكمه جملة ولا يصدق مفردًا، بل لو كان إذا قيل رجل في الجملة ومجتمعًا مع غيره قولا بمعنى فصدق، ثم قيل وحده بذلك المعنى فلم يصدق، لكان ما ذهبوا إليه حقًا. وأما إذا كان معنى ما يصدق غير معنى ما يكذب، لم يجب من ذلك أن الشئ الواحد يصدق مرة عند الجمع ولا يصدق مرة عند التفريق؛ وكذلك حديث القاضى وأنه سلطان ليس بسلطان، والخفاش أنه طائر ليس بطائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت