فهرس الكتاب
وأقول بالجملة إن من حقوق الأمور المنسوبة إذا كانت محمولات أن تراعى جهاتها وشرائطها وأن يكون مصرحًا بها عند الضمير وإن لم يصرح بها في اللفظ، وعلى ما قيل في شروط النقيض. ولولا أن قولنا فاره معناه فاره في شىء كذا أو فاره في شىء ما لا أنه نفسه فاره في أى شىء اتفق، لكان كلما قيل إنه ليس بفاره وعنى في أَمر آخر ليس هو فيه فارهًا كان تناقض، فإذ لا تناقض، أَو نغير ذلك الشىء ونلتفت إليه، فذلك الشىء إذن لا محالة داخل في نفس الأمور المحمولة، وإن حذف تجويزًا، دخولا معينًا أَو مبهمًا لا يجب أَن يكون مقصودًا فيما تعين جمعه معه. وإذا كان كذلك، فإِذا جمع على واجبه كان أَيضًا حقًا. فكان حقًا أَن زيدًا طبيب فاره في الخياطة أَو بصير بالعين، أَو فاره في أَمر ما وبصير في أَمر ما. على أَن التمثيل بالبصير ردىء جدًا، لأن البصير إذا عنى به البصير بالعين مرة وعنى به أَنه الفاره في صناعة ما، كان ذلك باشتراك الاسم. ولكن قد عرض هاهنا شيئان مجازيان: أَحدهما أن قيل لزيد: إنه فاره، ولم يزد عليه لفظ آخر اتكالا على معرفة السامع بأنه فاره في كذا، فلما جمع على حاله فقيل: طبيب فاره، وكانت العادة جرت أنه إذا قيل هذا عنى به طبيب فاره في الطب، أوهم اجتماع اللفظين مع جريان العادة أن معنى القول أنه يقول طبيب فاره في الطب وهذا العارض ليس مما يوجبه نفس الأمر، بل عادات العبارات وما فيها من الإيهامات والاختصارات، والإيهامات والاختصارات مما لا يعتبر في حقيقة دلالة الألفاظ. وأما ما قالوه من مصير الكلام إلى الهذيان فهو حق، لكن ماقاله الرجل المحكى أَلفاظه أن الهذيان في قوة الكذب متعلقًا في ذلك بالإيهامات ليس هو من كلام أهل المعرفة بشىء، فإن الالتفات إلى الإيهامات وأن قائل كذا كأنه قال كذا من غير أن يكون قال كذا بالحقيقة لفظًا ولا معنى ولا لزومًا، بل قال ما هو كأنه ذاك وليس هو ذاك ولا لازمًا عنه، أمر غير معتبر في تحقيق معنى الألفاظ ودلالاتها. فإنه إذا قال قائل: إن الإنسان ضحاك بادى البشرة، لم يلتفت إلى أنه يحاول أن يفصل بذلك ضحاكًا عن ضحاك أو يحاول أنه من جملة الضحاكين ما هو بادى البشرة وإن كان يوهم ذلك فإن هذا اللفظ قد يوهم هذا فليس هو مفهومًا عنه ولا لازمًا للمفهوم عنه بوجه من الوجوه، بل إنما يلتفت إلى أن له هذا الوصف مقرونًا بذلك الوصف. فإن اتفق أن كان التقرير مخصصًا ماله الوصف الثانى عما له الوصف الأول دون الثانى، فذلك شىء يعرض من غير أن يكون مقصود القائل. وإن كان مقصودًا له فيكون قد قصد ما ليس يوجبه اللفظ، بل ما قد يستدل عليه من اللفظ على سبيل العادة. وهاهنا أشياء كثيرة من هذا الجنس مثل قول القائل: بعض الناس حيوان، فإن هذا حق في نفسه وكذب بالإيهام، فإن السامع ربما يتوهم أن البعض الآخر ليس بحيوان. لكن لا يقال إِن قائل هذا اللفظ كاذب، وإِن كان له أن يقصد في مثله الدلالة على التخصيص فيقول: بعض الناس كاتب، يريد أن يدل بهذا على أن البعض الآخر ليس بكاتب، فتكون العادة تعرّف غرضه لا نفس لفظه. ولست أمنع أن يكون الهذيان كاذبًا بإيهامه، لكنه لا يكون في نفسه كاذبًا. وأما ما قيل إن الطبيب ليس معناه معنىالبصير، فليس يلزم منه شىء مما يحاولونه، حتى يكون لما كان الطبيب ليس معناه معنى ذاك لم يجتمع منه ومن ذلك الآخر محمول، فالحى أيضًا ليس معناه معنى الناطق.