فليكن عقد في خير أنه خير، وعقد فيه أنه ليس بخير، وعقد فيه أنه شر. ولتعلم أن يكون العقد منسوبا إلى ضدين كما نعتقد في موسى أنه خير وفى فرعون أنه شر، أو إلى متقابلين كالنقيضين كما نعتقد في موسى أنه خير وفى فرعون أنه ليس بخير، لا يوجب تعاند العقدين، بل يجب أن يكون ذلك في موضوع واحد حتى يكون العقدان متنافيين. فلنعتبر في موضوع واحد الحق فيه أنه خير، إذا اعتقد فيه أنه شر، واعتقد فيه أنه ليس بخير، أى الاعتقاديين في نفسه أشد عنادًا ؟ فلو لم يكن الشر ليس بخير ما كان يستحيل اعتقاد أنه خير وأَنه شر، ولو كان بدل الشر هو شيئًا ما ليس بخير وليس بشر لكان مع ذلك يستحيل اعتقاد أنه خبر وأنه ليس بخير، فإن كثيرًا مما ليس بخير ليس بشر. فبين أَن العناد في الاعتقاد الأول ليس لكون المعتقدين متضادين، بل لكون الحكمين متنافيين، وليس التنافى الأول إلا الذى بين الإيجاب والسلب.
قالوا: ومن الدليل على ذلك أيضًا أن الشىء الذى هو خير وعدل تصدق عليه إيجابات مثل أنه محمود ومختار، وسلوب مثل أنه ليس بمذموم ولا مكروه، وتكذب عليه إيجابات مثل أنه مكروه ومذموم، وتكذب عليه سلوب مثل أنه ليس بمحمود ولا مختار. وليس حقيقة التضاد متقررة بين كل ما لا يجتمع منها كيف اتفق، فإن الواحد إنما يضاده بالحقيقة واحد، فيجب إذن أن يكون الضد منها ما يعمها. وإنما يعم جميع الإيجابات والسلوب الكاذبة على الخير أنه ليس بخير، فأى إيجاب أو سلب صح عليه أنه ليس بخير كان مباينًا، وأما ليس بخير نفسه فإنه مباين بنفسه وإن لم يعتبر له أنه أحد تلك. والشىء الذى لا يحتاج في أن يكون مباينًا إلى غيره والآخر لا يباين دونه فمباينته أقدم، والذى مباينته أقدم فعناده أشد، فالسالبة أشد عنادًا، وما هو أشد عنادًا فهو الضد، فالسالبة هى الضد.
ويشبه أن لا يكون هذان الفصلان قصد بهما في التعليم الأول احتجاج ألبتة، ويكون إنما قصد في الأول منهما أن يشار إلى أن نفس التضاد في الأمور لا يوجب التضاد في الاعتقادات، بل يجب أن تكون الأمور متنافية حتى يجوز أن تكون متضادة في الاعتقادات.وفى الثانى أن يشار إِلى أنه ليس أيضًا ينافى الاعتقادات وأن لا تجتمع الاعتقادات، دالا على تضادها، فإِن هاهنا أمورا لا نهاية لها يصح أن تسلب عن الخير والعادل مثل أنه ليس بطائر وليس بحجر وليس بسماء فيكذب إيجابها، وأمور يصح إثباتها عليه لا نهاية لها مثل أنه أبيض ويقعد ويفعل فيكذب سلب إمكانها. أما الموجودة له فلا يمكن أن تكون بلا نهاية، وأما المسلوبة عنه فبغير نهاية، فلا ينبغى أن ينظر في كل واحد منها هل عقده مضاد للعقد أنه خير أو غير مضاد له، فانها لا تتناهى.
ولكن هذا النظر إنما هو فيما دخلت الشبهة من قبله، والشبهة إنما هى فيما يقع التكون منه، فإنه وإن كان الخير ليس بطائر، وأيضًا ليس بشرير، وكان الطائر ينافيه والشرير ينافيه، فأحدهما قد يكون عنه التكون، والآخر لا يكون عنه التكون. أما الذى يكون عنه التكون فالمقابل من هذين وهو الشرير، وأما الذى لا يكون عنه فالذى ليس بمقابل وهو الطائر. والشبهة إنما هى في المقابل كالشرير والجائر. وتلك الشبهة أن العقد فيه أنه عادل، هل يضاد العقد فيه أنه شرير جائر. وهذا موافق لما قيل في التعليم الأول، ويكون الغرض فيه أن يجعل توطئة وتبنيها على أنه ليس كل عقد مناف مقابلا بالتضاد، وإلا لكان الشبهة تدخل في أن العقد في زيد أنه عادل سيضاد العقد فيه أنه طائر ويضاد اعتقادات أخرى بلا نهاية.