فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 781

وقد نبع من هذا المذهب مذهب آخر في أمر الجهات حتى التفت في أمر الضرورة والإمكان إلى أمر القضية في أن سورها يصدق ويكذب، وترك أمر المحمول باعتباره إلى الموصوفات بالموضوع. فكان قولنا: كل حيوان إنسان ممكنا؛ إذ كان يمكن أن يتوهم وقت من الأوقات لا حيوان فيه إلا الإنسان.فحينئذ يصدق أن"كل حيوان إنسان:. فتكون هذه حينئذ مقدمة وجودية صادقة. وقبل ذلك تكون مكنة إذا اعتبرت من حيث كون هذا السور صادقا وقتا ما. فإن حسب حاسب أن مقتضى هذا المثال غير ممكن فقد يمكن أن تطلب ذلك أمثلة من أمور أخرى من أنواع الأمور التي لا نهاية لها."

والفرق بين هذا العتبار والعتبار الحملي أنا لو فرضنا هذا الأمر واقعا كان من حيث الوسر، وصدقه ليس واجبا أن يدوم صدقه. ومن حيث الحمل كان الإنسان ضروريا لكل واحد من الحيوانات الموجودين في ذلك الوقت. فإنه لم يكن الشيء الموضوف ذلك الوقن بأنه حيوان يجوز أن يكون موجود الذات، وليس يوصف بأنه إنسان. لكنا سنوضح فيما يستقبل هذا الرأي النابع أيضا غير صواب، وأن الاعتبار في الضرورة والإمكان إنما هو بحسب مقايسة حال المحمول والموضوع. ويدخل عليه بعد ذلك السور وليس ذلك بحسب السور. وأما المذهبان الأولان فإنا لا نناقش فيهما بوجه. فإنه يحوز أن يعنى بالمطلق أيهما أريد بعد أن يحفظ لكل اعتباره.

ولنعلم أن للقضية من حيث هي أحكاما، ومن حيث هي قضيته يوجد فيها الحمل دائما أحكاما أخص، وكذلك من حيث يوجد فيها الحمل لا دائما أحكاما أخص. والأمثلة التي تورد في التعليم الأول تدل على أن المطلقة بحسب الاصطلاح الأول هي العامية. وقد زعم قوم أنه لا مقدمة كلية إلا ضرورية. وقد غلطوا، فإنا نجد كليات يكون الحمل في كل واحد من الموضوع لا دائما كما مر لك. فلا يجب أن يلتفت إلى ذلك. فإن ذلك كان من سوء فهمهم لما يرتد بالضرورري. لكن الأولى بنا الآن هو أن نذكر الكلية الموجبة الضرورية، فنقول: إن قولنا: كل ب( آ بالضرورة، معناه كل واحد واحد مما يوصف بالفعل أنه موجود ب( كان دائما ب( أو كان وقتا ما ب(،فذلك الشيء موصوف بأنه آ لا عندما يوصف بأنه ب( فقط ولا وقتا معينا؛ بل مادام ذات هذا الذي يوصف بأنه ب(موجودا. فإن كان دائما موجودا فيكون دائما. وإن لك يكن دائما موجودا كواحد واحد من الناس فيكون مادام ذاته موجودا، سواء كان ذاته نفس المعني الذي في الموضوع مثل الموصوف بأنه إنسان - فإن الموصوف بأنه إنسان ليس شيئا إلا نفس الإنسان - أو كان الموصوف بأنه ب( قد يكون موجود الذات ولا يوصف بأنه ب(، كما مثلنا لك قبل هذا.

بل نعود فنقول: إنا قد نستعمل لافظ الضرورة وهو الدوام في موضع: من ذلك أنا نقول: إن الله تعالى حي بالضرورة، أي دائما لم يزل ولا يزال. ونقول: كل إنسان حيوان بالضرورة، لا أنه كذلك فيما لم يزل ولا يزال، ولكن مادام ذات الشيء الذي يقال له إنه إنسان موجودا، أي مادام موصوفا بما جعل منه موضوعا. ونقول: إن كل متحرك متغير بالضرورة، لا أنه دائم لم يزل ولا يزوال ولا أنه دائم مادام ذات المقول عليه إنه متحرك موجودا؛ بل مادام متحركا. وإن كان يتفق أن يكون دوام ذاته موجودا أو كونه مقولا عليه إنه كذا واحدا، كما نقول: كل إنسان فإن دوام وجود ذاته ودوام اتصافه بالإنسان واحد. ونقول: كل متحرك فهو بالضرورة جسم، أي أنه كلما يقال عليه إنه متحرك كيف كان فهو مادام ذاته موجودا، وإن فارق الحركة فهو جسم. ونقول للشيء إنه ماشي إنه ماشي بالضرورة مادام ماشيا، ولا نقول ماشي بالضرورة وحده. ونقول: إن القمر يوجد له الكسوف بالضرورة وقت كذا وكذا. وهذا إن صح عليه أنه يوجد له الكسوف مادام كاسفا بالضرورة فليس معناه ذلك المعنى. فإن شرط الضرورة في القول الثاني هو"مادام الكسوف موجودا". وشرط الضرورة في القول الأول حصول وقت يكون القمر فيه في العقدة مقابلا للشمس. وهما وإن تلازما متخالفان. ونقول: كل إنسان فإنه يتنفس بالضرورة، ليس وقتا معينا، بل وقتا لا بد منه؛ وليس أيضا معنى هذا أنه يتنفس بالضرورة مادام متنفسا وإن لازمه. وهذه كلها أقسام المطلق الكلي. وإنما الضروري المرسل فيها هو الذي يقال فيه المحمول أو سلب عنه مادام ذات المقول عليه الموضوع موجودا. والذي لم يزل ولا يزال يدخل في هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت