فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 781

فالمقدمة البرهانية تخالف الجدلية بأنها واحدة بعينها من طرفي النقيض دون الآخرى، وأن نقيضها لا يكون مقدمة لقياس برهاني البتة ينتج ما انتجه الأول بعينه و لا لنتيجة أخرى، كما كان المحمودان المتقابلان يكونان مقدمتين للقياس الجدلي؛ إذا كان أي طرفي النقيض تسلمه، مقدمة للقياس الجدلي. لأن البرهانية لا تثير برهانية البتة بسبب التسليم أو المنع فإنها لا يُلتفت فيها إلى التسليم البتة. وهذه الفصول كلها واردة بعد كون المقدمة مقدمة. فإن كونها مقدمة غير كونها مقدمة برهانية أو جدلية. وإنما هي جزء القياس المطلق من حيث هي مقدمة، لا من حيث هي مقدمة برهانية أو جدلية. فالنظر في صورة القياس والمقدمة مما يجب أن يقدم على النظر في مادتهما. وإذا النظر في الشيء يتبع النظر فيما يشبهه، وليس به أو يُرجع إليه في قوته. وليس أن نعلم الشيء نفسه يكون في صناعة، وأن نعلم ما يشبهه يكون في صناعة أخرى. فالأمور التي تحكي القياس، لأجل الصورة لا لأجل المادة، ويُرجُع إليها من جهة الصورة، وأنحاء الغلط الذي يقع في القياس من جهة الصورة. والعوارض التي تلزم القياس من جهة الصورة حقها أن تذكر في هذا الفن. فحري أن نتكلم في هذا الفن في الاستقراء، والمثال، والضمير، من جهة الصورة؛ ونتكلم أيضا في تركيب القياس، وتحليله، وفي الأمور التي تشبه القياسات، وفي البيان الدوري، وعكس القياس، وانعكاس القياس بسبب النتيجة، وارتداد الخلف إلى المستقيم والمستقيم إلى الخلف. فتبين من حال النظر في كل باب منها أنه نظر في أمر يتعلق بصورة القياس. فإذا استعملنا الكلام في ذلك، انتقلنا إلى بيان أحوال مادة مادة. وأما الحدود فإنها الأجزاء الذاتية للمقدمات إذا حل عنها الجزء الرابط، فيبقى في الحمليات الشيء الذي هو الموضوع، والشيء الذي هو المحمول. وأما السور والجهة فدواخل. وأما الرابطة فذاتية للمقدمة حتى تكون مقدمة، ولكنها تبطل عند الانحلال، ولا يكون ما تنحل إليه المقدمة ما يبطل عند الأنحلال، فلا يكون حدا للمنحل، فإن الحد هو ما تنحل إليه المقدمة. وفي الشرطيات إذا أسقطت حروف الشرطيات والجزاء وحروف العناد التي بها الارتباط بقى المقدم والتالي. وسميت هذه حدودا لأنها أطراف للنسبة تشبيها بالحدود التي في نسب الرياضيين .

وأما القياس فهو قول ما إذا ما وضعت فيه أشياء أكثر من واحد لزم من تلك الأشياء الموضوعة بذاتنها لا بالعرض شيء آخر غيرها من الاضطرار. فالقول ههنا كالجنس للقياس. فينبغي أن ينظر أنه جنس للقياس المعقول المتصور في النفس، أو جنس للقياس المقول. فنقول: إن القياس يقال بالتشابه على الشيئين، فيقال قياس للأفكار المؤلفة تأليفا ما في النفس فتؤدي إلى تصديق في النفس بشيء آخر، ويقال قياس للقول المؤلف من قضايا يلزم عنها غيرها، وليس من حسي هو قول مسموع فقط، فإن الأقوال المسموعة لا يلزم عنها قول آخر البتة. فإن اللفظ لا يجب أن يتبعه لفظ آخر أو لا يتبعه، ولكن من حيث هو قول مسموع دال على معنى معقول، وليس من حيث هو قول مسموع دال على معنى معقول، على أن يكون قولا مسموعا هذا السماع؛ بل لأنه قول مسموع فقط على الإطلاق غير مخصص بلغة دون لغة. فإنه لا يصح أن يكون اللازم أو الملزوم ما تدل به لغة دون لغة؛ بل على الإطلاق أي لغة كانت. ومعنى اللازم أن يكون ذلك اللفظ يجب الإقرار بمعناه. وكما أن القياس يقال على هذين، فالقول الذي هو كالجنس للقياس يقال على هذين. فالقياس المسموع على الوجه الذي قلناه، جنسه القول المسموع، ولقياس المعقول جنسه القول بمعنى المعقول. لكن القياس المعقول قد يكفينا وحده في تحصيل الغرض الذي في القياس، إذا كان المطلوب برهانيا. وأما في الجدل والخطابة والسوفسطائية والشعر؛ فإن القياس المسموع لا يستغني عنه في إفادة الغرض الذي في كل واحد منها، وكذا في الامتحانات التي تستعمل، وسنذكرها في مواضعها. فهذا معنى القول المأخوذ في جنس القياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت