وأما قوله: إذا وضعت فيه أشياء، يعني: إذا سلمت الأشياء التي فيه، وليس يعني: أن تكون بنفسها مسلمة؛ بل وإن كانت عندك منكرة أو في نفس الأمور، لكنها إذا سلمتها لزم عنها غيرها. وهذا يعم البرهاني والجدلي والخطابي والسوفسطائي والشعري وقياس الخلف. فإن القياس الجدلي إنما لا يوجب الحق حيث لا يوجب، لأن مقدماته تكون في نفسها غير حق، لكنها مع ذلك إذا سلمت يلزم عنها ما يلزم. والسوفسطائي الذي فيه اشتراك الاسم فإنه يوهم مع ذلك تصورا لذلك الاسم على أنه معنى، فإذا سلم ما فيه على الوجه الذي يأخذه السوفسطائي لزمت منه النتيجة. مثال ذلك: إذا قال السوفسطائي: الماء له عين، وكل ما له عين يبصر، فالماء يبصر فإن هذه المقدمات إذا سلمتها على نحو ما أخذ، لزم المطلوب بها؛ إذ لا يخلو حينئذ من وجهين: إما أن يعني بقوله: إن الماء له عين، عين الينبوع، أو عين الحدقة؛ أو يعني بقوله: إن له غينا، أن له شيئا يسمى عينا. فإذا سلمت المقدمات على أي الوجوه كان، حتى كان كأنك تقول: إن الماء له عين ينبوع، وكل ما له عين ينبوع فإنه يبصر، أو الماء له عين حدقة، وكل ما اله عين حدقه فهو يبصر، أو الماء له"ما يسمى عينا"، وكل ما له"ما يسمى عينا"فهو يبصر. فإنك إذا شلمت هذه، وإن كانت كاذبة، لزمت النتيجة. فأما أن تحالف في التلسيم، لم يكن ما نقوله قياسا؛ أعني إذا لم يكن الأوسط عينا بمعنى واحد، لم يكن ما قاله قياسا البتة، وإن سلمتها، لأنها لا يلزم من تسليمها - والأوسط مختلف - شيء. وأمثال هذه القرائن الغير المنتجة، فإنها ليست بقياسات سوفسطائية، بل هي قياسات سوفسطائية. ومعنى هذا أنها ليست في أنفسها قياسات، ثم تنسب إلى السوفسطائي، أي ليس إذا سلم ما فيها - وإن كان على سبيل اللفظ - يلزم عنها المطلوب. كما أن أشياء في أنفسها قياسات ثم تنسب إلى الجدليين، فيكون كونها سوفسطائية وجدلية مخصصات لها بعد كونها قياسات. ومن شرطها أنك إذا سلمت ما قيل فيها، لزم عنها غيرها. فأما لم يكن هكذا فليس قياسا البتة، حتى تخصص بأنها قياسات سوفسطائية، لكنها قياسات سوفسطائية عاة نحو ما نقول: إن هذا إنسان مائت، ونقول: هذه فضة زيف، ويعنى بها أنها أشياء شبهت بالقياسات، فيقال لها قياسات مشبهية مجازا واستعارة، كما يقال: حيوان مصّوُر وإنسان مصنوع.
والنظر في معرفة كل شيء على وجهين: أحدهما في أن نعرفه، والثاني أن نعرف ما يشبهه، وليس هو. فالنظر في كلا وجهي القياس السوفسطائي نظر منطقي. وأما القياس الشعري فإنه وإن كان لا يحاول إيقاع التصديق، بل التخيل، فإنه يرى أنه يوقع التصديق، ولا يُعترف به من حيث هو شِعر أنه كذب، وهو يستعمل مقدماته على أنها مسلمة. مثلا إذا قال: فلان قمر لأنه حسن، فإنه يقيس هكذا: فلان وسيم، وكل وسيم قمر، ففلان قمر. فهذا القول أيضا إذا سلم ما فيه، لزم عنه قول. لكن الشاعر ليس يريد في باطنه أن يعتقد هذا اللازم، وإن كان يظهر أنه يريده من حيث هو شاعر؛ بل قصده أن يُخيل بها اللازم استحسانا من النفس للمدوح، كما إذا قال: إن الورد سرم بغل قائم في وسطه روث، فكأنه يحاول أن يقول: فكل ما هو سُرم بغل بهذه الصفة فهو نَجِسٌ قَذِرٌ. فإن قوله، وإن كان قياسا، أي إذا سلمت مقدماته لزم عنها المطلوب؛ فإنه ليس يروم بيان صحة اعتقاد هذا الرأي بقوله، بل يريد أن تتقزز النفس عن المقول فيه تخيلا. فقد بان أن قولنا: إذا وضعت فيه أشياء، يشتمل على جميع هذه. وكما أن الحملي يسلم، فكذلك الشرطي يسلم؛ وكما أنه يكون قول مركب من حمليات فيلزم عنه قول آخر. فكذلك قد يكون قول مركب من شرطيات ساذجة أو مخلوطة يلزم عنه قول آخر. فهذه أمور ستعلمها في مواضعها. فلم يحسن من ظن أن قولنا: إذا وضعت فيه أشياء، إنما هي الأشياء المحمولة دون الشرطية. وإنما قال: أشياء، ولم يقل: شيء واحد، فرقا بين القياس وبين ما يلزم عن مقدمة واحدة كالعكس المستقيم والمنسوب إلى التقيض وما أشبه ذلك. فإنك ستعلم أن القياس لا يصح أن يكون من حد واحد؛ ولا من مقدمة واحدة، بل إنما يكون من أقوال أكثر من واحدة، إما اثنتان إذا كان القياس بسيطا، أو أكثر من ذلك إذا كان القياس مركبا. ولما كان معنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو: إذا سلمت فيه أشياء، كانت الأشياء هي القضايا لا محالة،؛ لأن التسليم لا يقع إلا للقضايا.