فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 781

ولا يجوز أن يقال: إن القياس قول إذا وضعت فيه مقدمات. ومن قال هذا فقد أخطأ في التحديد. وذلك لأنه يكون قد أخذ القياس في حد نفسه، لأن المقدمة إنما تحد بأنها قضية هي جزء قياس، فكأنه يقول: إن القياس قول إذا و ضع فيه قضايا هي أجزاء قياس. ويعرض ما عرض لبعض مغفليهم في أمر الجنس والنوع. ولكن يجب أن يؤخذ في حده قضايا أو أشياء من غير أن توجد مقدمة. ومعنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو أنك إذا سلمت ما فيه من الأشياء التي هي القضايا. وليس معنى هذا أن يكون القياس شيئا، وما يوضع فيه شيئا خارجا عنه؛ بل ما يوضع فيه، هو ما يلتئم منه القياس، فهو منه على أنه جزء مله منه يلتئم. وليس معنى قوله: إذا وضعت فيه أشياء، هو أنك إذا سلمت أشياء مما فيه، بل معنى ذلك: إذا سلمت الأشياء التي فيه كلها، التي منها تأليفه. وقولنا: لزم من تلك الأشياء الموضوعة، معناه: من تلك الأشياء الموضوعة على ما فيه من حيث موضوعة فيه. وذلك لأن اللازم ليس عن تلك المقدمات التي هي مادة التأليف كيف كانت؛ بل منها ومن التأليف فيها وهو نحو كونها في ذلك القول. فيكون كأنه قال: لزم من تلك الأشياء الموضوعة فيه من حيث هي موضوعة فيه وضعها. وقوله: بذاتها، أي أن تلك الموضوعات لا يحتاج في أن يلزم عنها ما يلزم إلى أن يقترن بها شيء يتم بذلك لزوم ما يلزم عنها سواء كان معقولا أو مصرحا به. فإنك إذا قلت: ج( مساو لب(، و ب(مساو لد(، فج( مساو لد(. إنما يكون تم لك هذا بأن استشعرت أن ج( مساو لمساوي د(، ومساويات المتساويات مُساوية. فليس هذا القول قياسا على وجهه. ومثل قول القائل: فلان يطوف في الليل فهو متلصص. فإن هذا القول ليس قياسا بالفعل، ولا يلزم عنه كونه متلصصا بذاته، بل بتسلم شيء آخر معه، وهو أن يسلم أن كل طائف بالليل متلصص. وكقول القائل: حفظ السُّنة، ضد إهمال أمر السنة، لكن حفظ السنة ليس شرا، فإهمالها شر، فإذن حفظ السنة خير. فإن هذا لا يلزم عن هذا القول، ومما وضع فيه بذاته، بل عن مقدمة، محذوفة إن كل ما هو غير شر ويضاد الشر فهو خير.

وكمن يقول: إنك تقول: إن النهار موجود، لكن النهار موجود، فأنت إذن صادق. فقد حذف ههنا، وكل من يقول قولا يكون عليه الوجود فهو صادق. وأشباه هذه كثيرة. واعلم أنو معنى اللزوم هو أنك إذا سلمت تلك، يجب أن تسلم هذا القول الآخر، ليس أنه يجب أن يكون صادقا، ولا أن اللزوم يكون بيننا بنفسه عنها. فإن قولنا: كذا يلزم عن كذا، أعم من قولنا: كذا بيّتن اللزوم عن كذا. فكذلك هذا الحد يتناول القياسات البينة اللزوم، وما ليس إلزامها، بِبَيّن. وإذا قال: يلزم، فقد فارق الاستقراء والمثال والعلامة، وما أشبه ذلك. فإن تلك إذا سلمت مقدماتها، لا يلزم عنها شيء باضطرار. وقولنا: لا بالعرض، نعني به أن لا يكون إنما لزم اللازم بسبب مقدمة أخرى لم تورد، ليس حالها حال المحذوف أصلا. فلا يدب الذي يحتاج أن تتمم به المقدامات الموضوعة بأن يضاف إليها. فذلك قد أورد ما يفضل نعه؛ بل هي مقدمة تركت هي وأخذ بلدها ما هو في قوتها فيلزم اللازم بسبب تلك التي حذفت بالذات وبسبب هذه بالعرض، لا عن ذاتها؛ كمن يقول: الدليل على أن جزء الجوهر جوهر، هو أن جزء الجوهر جوهر. وهذا لازم عن هذا القول لا محالة، فإنه لا يكن ما قيل مسلما إلا وهذا لازم. لكن ليس يلزم عنه لذاته؛ بل إنما يلزم عن مقدمة أخرى يجب أ، تقرن بالأولى، وتلك الأخرى هي أن ما يوجب رفعه رفع الجوهر فهو جوهر لكن قوة المذكور أن ما ليس بجوهر لا يوجب رفعه رفع الجوهر هي في قوة هذه المقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت