وأما الوجه الثاني، فإنه قضية يسلب فيها الإمكان العام، وليست مطلقة. فإن قال قائل: إنه ليس كذلك؛ بل الإمكان ههنا في مفهوم المحمول، وإنما يكون ذات جهة بجهة تلحق الرابطة، ونخبر عن إمكان الرابطة فنقول أولا: إن الجة ههنا في مقابلة القضية السالبة ملحقة بالرابطة، فإنك تقول هناك: بعض ما هو ج يصح أن يكون بَ. وثانيا: إن كل مقدمة لها جهة يمكن أن تجعل الجهة فيها خارجة عن المحمول، فإنه يمكن أن تجعل جهتها جزءا من المحمول، ثم تلحق بها جهة أخرى. فإنك إذا قلت: كل إنسان يمكن أن يكون كاتبا، أمعناه أن كل إنسان يمكن، أو يصح، ولا تمتنع كتابته، مدخلا للجهة على المحمول على نحو معناه. فإنك إن قلت هذا وعنيت بالإمكان الإمكان الحقيقي الذي يصدق في هذا الموضع، فقد كذبت. فإن إمكان الكتابة ليس ممكنا، اللهم إلا أن يلتفت إلى إمكان قريب. فحينئذ لا يجد حيلة فيما ليس فيه، إلا إمكان واحد. ومع ذلك فيكون قولك: كل إنسان ممكن أن يكون كاتب، كاذبا على هذا التأويل. لأن ذلك كله ليس بإمكان بعيد ولا قريب، بل الناس مختلفون في ذلك. وأما بعد هذا كله فينظر أن هذا كيف ينعكس، فنقول: إن هذه القضية مع هذا كله تكون على حكم السالبة الضرورية، إذ كان لا شيء مما يصح أن يكون ج، هو شيء يصح أن يكون بَ.
هذا وإن قوما قالوا: إن السالبة الكلية على الوجه الأول أيضا لا تنعكس، وأوردوا له أمثله فقالوا: نحن نقول لاشيء من الحيطان في الوتد، ولا من البطيخ في السكين؛ ولا ينعكس أنه لا شيء من الأوتاد في الحيطان، أو السكاكين في البطاطيخ ؛ فالجواب عن أمثال هذا مما ذكروه أن المحمول ليس هو الوتد ولا السكين، بل في الوتد وفي السكين، فاجعلهما كما هما بجملتهما موضوعين ينعكس.
(ب) فصل
وإذ قد بينا هذا فلنبين أن الكلية الموجبة هل تنعكس؟ وكيف تنعكس؟ أكلية موجبة أم جزئية؟ وهل تبقى مطلقة؟ أم لا تبقى مطلقة؟ فنقول: إذا صدق قولنا كل ج بَ فليس يلزم أن يكون كل بَ ج. مثاله كل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسان. وأيضا نقول: كل إنسان مستيقظ، ولا نقو: كل مستيقظ إنسان. فليس يجب إذن للكلية الموجبة عكس كلي موجب، فإنه ربما كان المحمول أعم. وأما عكسها الجزئي فواجب، فإنا إذا قلنا: كل ج بَ لزم أن بعض بَ ج. وقد جرت العادة في بيان هذا أن يقال: إنه إن لم يكن بعض بَ ج فلا شيء من بَ ج. وهذا مما ينعكس، فيكون ولا شيء من ج بَ، وقد قلنا: كل ج بَ، وخذا خلف. فهذا هو البيان المعتاد في هذا الباب.
وعلينا أن ننظر في هذا البيان، هل هو حقيقي؛ أم ليس بحقيقي. وذلك أنه إن كان نقيض الموجبة الجزئية المطلقة هي السالبة الكلية المطلقة، وقد قيل: إن الحقيقية منها لا تنعكس، فلا يكون هذا بيانا. على أن ذلك كما علمت يحتاج في أخذ نقيضه إلى أن تعين الحال والوقت. وهنا لم يشتغل بتعيين حال أو وقت في كليهما، حتى يكون السلب مقابلا، فيعين في الخلف. فلا هو مقابل ولا يجب أن تنعكس السالبة الكلي فيه. فنقول الآن: إن هذا وإن كان هذا، وإن مكان هكذا، فإن هذا البيان صحيح. وذلك لأن القائل إذا كذب في قوله: بعض بَ ج فيجب أن يكون إنما كذب لأنه لا يجد بعض ما هو بَ هو ج في وقت من الأوقات؛ فإنه إذا وجد بعض بَ ج وقتا ما، فقال: بعض بَ ج، أي وقت كان وأي حال كان، فإنه يكون صادقا. وإن كان صادقا مع ذلك أن كل بَ ليس وقتا ما ج، فليس إذن هذه الكلية السالبة المطلقة مناقضة لتلك الجزئية الموجبة. وكلن التي إذا كذبت القائلة بعض ج بَ.، صدقت هي ولا تكذب؛ إلا أن يكون بعض من الأبعاض موصوفا في شيء من الأوقات بالمحمول. فإذن مناقض هذه الموجبة الجزئية المطلقة، هو هذه السالبة التي ظهر من حالها قبل أنها تنعكس مثل نفسها، مانعة للإيجاب الجزئي كيف كان، فضلا عن الكلي. فهذا البيان إذن حق. فإذن أخذ المطلق على المعنى الأخص، لم يكن هذا نقضيه؛ بل جاز أن يكون كذبا، لا لأن الإيجاب كاذب، بل لأن الحمل دائم.فكذبت السالبة، ولم يجب أن يصدق نقيضها على الوجه المشهور فيكون خلفا.