فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 781

وقد أوردت أمثلة نوقض بها ما قلناه من انعكاس الكلي الموجب جزئيا. فلا يحتاج أن نعددها كلها؛ بل يجب أن يتذكر ما قلناه في الجواب عن حدود أوردت، لتبين بها أن السالبة الكلية لا تنعكس. وكذا الأمر أن تنظر إلى جملة الموضوع وجملة المحمول فتعكسه كما هو، لا تنقص جزءا مما فيه وزلا تغيره، أعني الجزء الذي إذا نقصته عنه وهو بحاله الأولى قبل العكس فأردت أن تحفظ الإيجاب والسلب مع نقصانه لم تجد الحكم ثابتا. فإنك إذا حفظت المحمول كما كان والموضوع كما كان وعكست لم تغلط ولم تغالط. وأما السالبة الجزئية فإنها لا تنعكس، فليس إذا لم يكن كل حيوان إنسانا، أو كل إنسان كاتبا، وجب أن لا يكون كل إنسان حيوانا، أو كل كاتب إنسانا.

وههنا نوع من العكس آخر يحب أن نتأمله، وهو الذي يسمى عكس النقيض، وهو وأن يؤخذ ما يناقض المحمول فيجعل موضوعا، وما يناقض الموضوع فيجعل محمولا. فنقول: إذا قلنا كل ج بَ، لزنم منه أن كل ما ليس بَ ليس ج، وإلا فليكن بعض ما ليس بَ ليس ج، فهو ج. فبعض ما ليس بَ هو ج، ينعكس فبعض ما هو ج هو ما ليس بَ، وقلنا كل ج بَ. وإذا قلنا: كل ما ليس بَ ليس ج، صح كل بَ ج، وإلا فليصح ليس كل ج بَ. فيكون بعض ما هو ج مسلوبا عنه بَ، فذلك البعض ج وليس ببَ. قلنا: كل ما ليس بَ ليس ج فذلك البعض ج وليس بج. وإذا قلنا: لا شيء من ج بَ لا يلزم لا شيء مما ليس بَ ليس ج. فإنك إذا قلبت: لا شيء من الناس حجارة، لم يلزم أنه لا شيء مما ليس بحجارة ليس بإنسان، أو ليس شيء مما ليس بحجارة هو إنسان؛ بل لزم بعض ما ليس حجارة فهو إنسان، وإلا فلا شيء ممال ليس بحجارة فهو إنسان، فلا شيء من الناس ليس بحارة. وكنا قلنا لا شيء من الناس حجارة. وإذا قلنا: بعض ج بَ، لزم بعض ما ليس بَ ليس ج. فإنه يوجد موجودات أو معدومات خارجة عن ج و بَ معا، فيكون بعض ما ليس بَ ليس ج. وأما قولنا: ليس كل ج بَ، فيلزمه ليس كل ما ليس بَ ليس ج، وإلا فكل ما ليس بَ ليسج، فكل ما هو ج بَ، فكل ما هو ج فهو بَ. وههنا فحوص أخرى، وألأولى أن نجعل مواضعها كتاب اللواحق.

(ج) فصل

ونقول: إذا قلنا بالضرورة لا شيء من ج بَ، فيجب أن يكون بالضرورة لا شيء من بَ ج. قالوا: وإلا أمكن أن يكون بعض بَ ج، فأمكن أن يكون بعض ج بَ، فأشكل هنا شيء وهو أنه استعمل عكس الممكن فيه. وهذا مما لم يبن بعد. فقال بعضهم: إن إنعكاس هذا المكن بين بنفسه. فإنه إذا أمكن أن يكون شيء شيئا، أمكن أن يكون ذلك الشيء الآخر ذلك الشيء. ولما كان هذا بينا بنفسه، جاز تعريف غيره به، غير متوقف فيه أن يبين حاله. وعندي أنه يحتاج هذا العكس إلى بيان ما أيضا. وليس ما فرضوه بينا أعرف من أن الممتنع كونه شيئا، يمتنع كون ذلك الشيء هو الذي هو المطلوب وقريب من المطلوب، لكن ما قاله الآخرون أحسن، وهو أنه إن أمكن أن يكون بعض بَ ج كان فرضه غير محال. وأكثره أن يكون كذبا. والكذب الغير المحال لا يلزم منه محال. فإن لازم ما يمكن ممكن. فإن المحال لا يكون البتة. فما لا يكون إلا ويلزمه المحال لا يكون البتة. وكيف يكون، وإنما يكون مع كون ما لا يكون البتة. فالكذب الغير المحال لا يلزمه المحال. فإذا فرض بعض بَ ج موجودا، فحينئذ يكون بعض ج بَ موجودا، فحينئذ يكون بعض ج بَ كما علمت كذبا غير محال. لكنك قد قلت بالضرورة: لا شيء من ج بَ، فكيف يكون قولنا: بعض ج بَ، غير محال، فهو محال. ولزم من قولنا بعض بَ ج، فقولنا بعض بَ ج كذب ومحال. على أن هذا له وجه، وهو أقرب عندي، وهو أن نقول: إذا جاز وأمكن شيء، أمكن لازمه. فإذا أمكن أن تصدق المطلقة القائلة: بعض بَ ج، أمكن لازمها ضرورة، أي قولنا: بعض بَ ج. وهذا أصح ما ينبغي أن يقال. وأمات إذا كان القول موجبا مثل قولك باضطرار أن يكون كل بج بَ أو بعض ج بَ، فيقولون إنه باضطرار أن يكون بعض بَ ج. وللبيان المشهور لهذا هو أنه لا بد من أن يكون بعض بَ ج، لأنه من حيث هو مطلق هذا حكمه. حينئذ إما أن يكتمون باضطرار، أو لا يكون باضطرار. فإن كل كان لا باضطرار، فبعض ج بَ، لا باضطرار، وكان كله باضطرار، وهذا خلف. وفي هذا البيان مواضعه تخليط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت