فهرس الكتاب
وذلك لأن الذي سلف من تعليمهم في انعكاس المطلقة الموجبة، إنما كان أنها تنعكس جزئية فقط، ولم يبين أنها إن كانت لا باضطرار فيكون عكسها لا باضطرار. ولا هذا هذا حق بوجه من الوجوه. فإن كل إنسان كاتب لا باضطرار، ثم كل كاتب إنسان باضطرار.
والتخليط الثاني هو أنا وإن سلمنا أن هذا البيان قد ينفع في إثبات عكس الكلي الموجب، فكيف ينفع في بيان العكس الجزئي الموجب. فإنه ليس يمنع قولنا: بعض ج بَ بالضرورة، أن يكون بعض ج بَ أيضا لا بالضرورة. فيجوز أن يكون عكس قولنا: بعض بَ ج بالضرورة. ثم إن انعكس على قولهم فصار بعض ج بَ لا بالضرورة، صح مع صحة الأصل، وهوه قولنا: بعض ج بَ بالضرورة، ولم يلزم خلف. فإنك تعلم أن بعض الأجسام متحركة ضرورة، وبعضها متحركة لا بالضرورة. وكذلك بعض الأجسام سود بالضرورة أي دائما، وبعضها سود لا بالضرورة؛ بل الحق أن هذه تنعكس مطلقة بالمعنى الأعم، وهو أن بعض بَ ج بلا زيادة شرط. والبرهان عليه هو المثالان المذكوران. وأنت تعلم ليس يجب أن يكون عكس غير الضروري عن غير الضروري من المثال المذكور. فلا يمتنع أن يكون الشيء ضروريا حمله على شيء، ثم ذلك الشيء لا يكون هذا ضروريا له. وسنزيدك لهذا شرحا في موضعه.
ومع هذا فيجب أن نورد وجود التلخيص الذي تكلفه أصحاب التعصب عن هذا اللازم. فقال بعضهم: إن قولنا: كل كاتب إنسان بالضرورة، ليس حقا. وذلك لأن الكاتبين المعدومين هم أناس معدومون ؛ فبعض ما هو كاتب هو بالإمكان ناس، أي تمكنوا أن يصيروا ناسا.
وهذا هو الإنسان الذي ذكر أن قولنا: كل بَ ج، معناه كل ما يقال له أنةه بالفعل ج، وأخرج ما هو كاتب بالإمكان، داخلا في قولنا: كاتب. فالآن قد أدخلت الكاتب بالقوة في هذه الجملة، ومع ذلك فليس تجد البتة مقدمة كلية ضرورية موجبة. فإن قولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة، كاذبة؛ أن الناس المعدومين حيوان بالإمكان. فبعض الناس، وهو الذي بالقوة، حيوان بالإمكان؛ فليس بالضرورة كل إنسان حيوان. ولا مجد مثالا من الأمثلة المستعملة للكلي الموجب، يكون صادقا البتة.
وقال بعض المحصلين: إن قولنا بعض الكتاب ناس بالإمكان، صحيح. وذلك لأن معنى هذا أن بعض ما يوصف بأنه كاتب بالضرورة، هو إنسان. وسواء لم يكن كاتبا، أو كان كاتبا، وكان بالضرورة كاتبا، أو كاتبا لا بالضرورة، حتى يكون إنسانا بالضرورة. وإن لك يكن كاتبا. فإذن كونه إنسانا بالضرورة، ليس لأنه كاتب.
فإذا قلت: بعض ما يوصف بأنه كاتب، هو إنسان بالضرورة وإن لم يكن كاتبا، فأنت تقول في نفسك، لا من جهة أنه كاتب، فجهة أنه كاتب لا توجب الضرورة. فإذن يكون غير ضروري أن تكون معه الإنسانية، فيكون بعض الكتاب وهو الكاتب من جهة ما هو كاتب ليس ضروريا أنه إنسان أو ليس بإنسان، وذلك من جهة ما هو كاتب. فبعض الكتاب مكن أن يكون إنسانا من جهة ما هو كاتب.
وهذا الرجل، وإن دقق، فقد غالط وحمله التعصب على نمحل وزجه بعيد، وغلط من ظن أن قولنا: الكاتب من حيث هو كاتب، لا وجب الضرورة؛ حتى يصح معه أن الكاتب من جهة ما هو كاتب، لا يكون حمل الإنسان ضروريا عليه، وليس كلامنا في أن كونه كاتبا هو الذي جعل حمل الإنسان عليه ضروريا أو لم يجعل، بل كلامنا في الإنسان هل يحمل على الكاتب من جهة ما هو كاتب. فإن قال: إنه يحمل عليه دائما، فيكون ضروري الحمل عليه. فبين أنه يحمل عليه، وإن لم يكن لأجل أنه كاتب. وكذلك إذا زالت الكتابة مع كونه إنسانا محمولا على الشيء الذي هو الكاتب، فإن ذلك لا يمنع أن يكون محمولا على الكاتب، ودائما له. فليس أنه لا يكون ويحمل على شيء، يوجب أنه حين يكون لا يحمل عليه دائما.
فأما إن قال: إن الكاتب من جهة ما هو كاتب، هو كاتب فقط و لا زيادة، والإنسان معنى آخر غير أنه كاتب، فليس محمولا عليه، كان هذا حكم الإنسان والحيوان. فإن الإنسان، من حيث هو إنسان، هو أنه حيوان. نعم الحيوان حينئذ جزء من حده، وكذلك الحيوان والإنسان جزءان من حد الكاتب. فإن الكاتب من الخواص الذاتية، بمعنى، أنها توجد في حدها الموضوع وجنسه لا محالة. وبعد هذا كله؛ فإن الكاتب إذا أخذ أنه كاتب فقط، وكان الإنسان مقارنا له كان غير محمول عليه بالضرورة لا بالإمكان؛ فكان بعض الكتاب بالضرورة ليس إنسانا لا بالإمكان، وهو الكاتب من جهة ما هو كاتب.