واعتبار السور يقتضي أن هذا قد يصدق على ما قد علمت. وإن كان لا على معنى السور، بل على معنى أن بعض الأشياء التي هي بيض مسلوب عنها الحيوان دائما، فكذلك حالها وأنها مسلوب عنها الإنسان دائما، فلم منع أن تكون النتيجة ضرورية؟ فلعله يجب أن يأخذ الضروري في إحدى المقدمتين ليس من جهة السور، بل من جهة الحمل. وأما المطلق منهما فيأخذه مطلقا من جهة السور حتى يكون قولنا: كل إنسان حي مطلقا، بأن يأخذه من جهة السور ولا يأخذه من جهة المحمول، فيكون قولنا: ليس كل أبيض حيوانا بالضرورة، قد اعتبرنا ضرورته في معنى الحمل؛ وقولنا: كل إنسان حيوان بالإطلاق، قد اعتبرنا إطلاقه في جهة السور، فأخذناه مطلقا من حيث هو كذلك بأن نظرنا إلى الصدق الذي اتفق أن كان: كل إنسان حيوان، الذي قد يكذب إذا عدم الناس كلهم، فلا يكون حينئذ ضروريا؛ وأخذنا ذلك ضروريا من جهة المادة، إذا كان الحيوان مسلوبا عنه بالضرورة عن بعض الأبيض فأنتج: ليس كل أبيض إنسانا، وكانت هذه النتيجة ليست ضرورية من جهة السور؛ وإن كانت ضرورية من جهة المادة.
وكيف لا ويمكننا أن نلحق الضرورة بالمقدمة الموجبة فتكون النتيجة حينئذ ضرورية، فيكون حينئذ سلب الضرورة في النتيجة مأخوذا من غير الوجه المأخوذ في المقدمة الجز ئية، لأن الضرورة المأخوذة في المقدمة هي ضرورة الحمل والمادة، وسلبها في النتيجة هو سلب ضرورة السور. ولما كانت الجزئية قد تكون صادقة الضرورة وصادقة بالإمكان ولا يتمانعان، إذ بعض الأبيض ذو لون مفرق للبصر بالضرورة، وبعضه ليس بالضرورة، وهو الذي هو أبيض لا بالضرورة. ولا يبعد أن يكون قول صاحب هذا التعليم: إن النتيجة لا تكون ضرورية، معناه: أن النتيجة قد لا تكون ضرورية، أي باعتبار غير اعتبار أن النتيجة لا تكون ضرورية بحسب السور؛ بل باعتبار أنه قد يجوز أن يصدق المطلق والضروري معا في الجزئيات. فإن لم يعن هذا، قيل اقتصر على اعتبار السور، وإن عدم الضرورة هو في اعتباره. وإن كان اعتبار الحمل والمادة يوجب الضرورة، فليس هذا في الجزئي فقط؛ بل وفي الكليات أيضا. فإن ما أنتج: أن كل إنسان حيوان بالضرورة، أنتج ما قد يصير مطلقا باعتبار آخر كما قد علمت. فترى أن مشاحتنا قائلين: إن هذه تنتج ضرورية، كان على أنها لا تنتج إلا ضرورية فقط لا يصح معها مطلق. وليست تنتج مطلقة، لأنها تنتجها وحدها، وإنما بحكم أنها تنتج مطلقة إذا أنتجت مطلقة فقط. فلم لم يفعل هذا في كل موضع؟ وهلا يُقتصر على أن يُعلمونا تعليما كليا: أن كل جزئية ضرورية؟ فإنها قد تصح أن تكون مطلقة، فيحكم في جميع ذلك أنها مطلقات النتائج، ويكون هذا مفروغا منه، ليس إنما يعتبر هذا في اقتران بعينه، أو بحسب كونه نتيجة، بل كيف كانت، أو عسى أن لا يكون هذا كليا في كل موضع؛ بل عسى أن يكون من الأشياء ما لا يسلم إمكان بطلانه فلا يكون ما يتعلق ببطلانه داخلا في الإمكان حتى تصير القضية بسببه مطلقة. ولكن هذا لا يختص بقضية هي مقدمة أو قضية هي نتيجة، بل يكون هذا جائزا في جميع أصناف القضايا التي تصلح أن تؤخذ مقدمة في هذا القياس أو نتيجة؛ بل هذا الاختلاف متعلق بمادة الحدود لا بصورة تألفيها. وعسى أن يرتكب مرتكب فيقول: إن صدق المادة التي يصح منها هذه التأليف، يوجب أن تكون الضرورة ملزومة المطلقة. وهذا اقتراح ممعن في المحال. ومع هذا، فليت شعري إذا قلنا: كل أبيض فهو ذو لون مفرق للبصر، وكان هذا مطلقا صادقا، وقلنا: كل إنسان حيوان، وكان هذا مطلقا صادقا؛ فهل معنى الإطلاق فيهما شيء واحد، أو يفهم للإطلاق فيهما معنيان؟ فإن كان المعنى الجامع هو ما قلناه من المطلق العام، فيكون الفصل فيما بينهما أن أحدهما يختص بالضرورة، والآخر لا يختص بالضرورة، إذ ليس كل أبيض فهو ذو لون مفرق للبصر مادام ذاته موجودا. فيكون إنما أخذ في هذا الماثل نوع من المطلق الذي هو ضروري، فتكون النتيجة نوعا ما من المطلق الذي هو ضروري باعتبار، أي اعتبار الحمل.