فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 781

واعلم أن الفاضل الذي أكثر اشتغالي بمخاطبته مُقِرٌّ بما أقوله؛ بل المعلم ألاول مصدقا بأن الكبرى الضرورية في الشكل الأول، إذا قارنت صغرى غير ضرورية، كانت النتيجة ضرورية. فلنضع أن كل بَ ج لا بالضرورة، ولنقل كل بَ هو آ بالضرورة، ويغني ما قد وافق عليه الفاضل والمعلم الأول، وما قد علمت. فلم لا يقول واحد منهما: إن هذه ليست ضرورية، بل يجب أن يقال: كل بَ آ من حيث هو بَ بالضرورة. وإذا قال: بالضرورة ولا شيء من بَ آ، قال أيضًا: من حيث هو بَ. فإنه إذا اعتبر هذا صدق ما قال الطاعنون على من أنتج من هاتين ضرورية. وذلك لأنه قال الطاعن فيه مثل ما قاله هذا الفاضل في عكس الممكن ومثل ما قيل في هذا الموضع. فلقائل أن يقوا له عند قوله وتمثيله لإنتاج الضرورية من الاقتران المذكور - مثلا إذا أنتج: أن كل صاعد جسم بالضرورة، من قوله: كل صاعد متحرك ، وكل محرك جسم بالضرورة، فكل صاعد بالضرورة - إن النتيجة ليست ضرورية؛ لأن الصاعد من حيث هو صاعد ليس جسما بالضرورة. وكذلك لقائل آخران يقول: إن قولك في الكبرى"كل متحرك جسم بالضرورة"ليس صادقا؛ إذ ليس هو من حيث متحرك جسما بالضرورة، حتى إذا لم يكن متحركا لم يكن جسما. فإن قال: إن الأبيض يجوز من حيث اعتبار أنه أبيض أن لا يكون حيوانا؛ ولا كذلك المتحرك من حيث هو متحرك، فإنه لا يجوز أن لا يكون جسما. فنقول: لم يكن غرضنا ما ذهبت إليه؛ بل إنك كما تقول إنه ليس حيا من جهة أنه أبيض، لا نقول ليس هذا المشار إليه جسما بالضرورة من جهة ما هو متحرك، بل هو جسم بالضرورة وإن لم يكن متحركا. ثم لا يمنعك جواز قولك: إنه ليس جسما بالضرورة من جهة كونه متحركا ولأنه متحرك، أن تقول: كل متحرك جسم بالضرورة. فإن منعت فقد كبت المقدمة التي نستعملها في هذه المواضع.

فقد عرفت أن جهات الموضوع والمحمول من حيث هي زوائد بعد الحمل، وأن الإيجابات - كما علمت - تنتقل بسببها سلوبا والسلوب إيجابات؛ بل يجب أن يلتفت إلى ما جعل موضوعا، وإلى ما جُعِلَ محمولا، وإلى حمل ووضع، فإن صدق حُمِل، وإن لم يصدق لم يُحمل. وإن كانت زيادة تلحق أحدهما فيصير الكذب صدقا والصدق كبا، فقد انتقلت القضية وصارت أخرى. وأنه ليس إذا حق سلب - مع إدخال هذه الدواخل - بطل الإيجاب الذي كان أولا، أو حق إيجاب بطل السلب الذي كان أولا؛ إذ قد تغير المحمول والموضوع. فانظر فيما يسلبه أو يوجبه إلى نفس السلب والإيجاب كما هو. فإن كان صادقا وكان دائم الصدق فاحكم أنه كما هو ضروري، أو كان غير دائم الصدق فاحكم أنه كما هو مطلق. فإذا غيرت، فاستأنف الاعتبار. وفي المثال الذي نحن في اعتباره يجب أن ينظر إلى الأمور التي قال لها بيض وإلى الحيوان، فنجد الحيوان إما كاذبا سلبها عنها، أو كاذبا إيجابها عليها، أو في بعض دون ذلك، ثم يُنظر أذلك دائم فيها كلها أو بعضها أو بعض دون بعض؛ ثم إذا أخلت من جهة كذا وبشرط كذا فيعلم أن القضية صارت أخرى، وتتوخى لها حال صدق وكذب وضرورة وغير ضرورة مرة أخرى، وتترك ما مكان في يديك. وأظن أن هذا القدر كاف لمن أنصف.

(ج) فصل

الضرب الخامس: بعض ج بَ بالإطلاق، ولا شيء من آ بَ بالضرورة، وحكمه ما علمت.

الضرب السادس: بعض ج بَ بالضرورة، ولا شيء من آ بَ بالإطلاق، وحكمه المشهور ما علمت.

الضرب السابع: ليس كل بَ ج بالإطلاق، وكل آ بَ بالضرورة، والمشهور فيه ما قد علمته؛ وحدوده: ليس كل أبيض حيوانا، وكل إنسان حيوان، فليس كل أبيض إنسانا.

الضرب الثامن: ليس كل ج بَ بالضرورة، وكل آ بَ بالإطلاق؛ والحدود: بالضرورة ليس كل أبيض حيوانا، وكل إنسان حيوان. ثم قيل مع ذلك: فليست النتيجة اضطرارية.

فنقول: إنه إّا كان بعض ما هو أبيض بالضرورة ليس بحي على معنى السور، فيجب أن يصدق هذا دائما، ولا يصدق البتة أن كل أبيض حي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت