فإن قال قائل: يجب أن تأخذ في اعتبارك هذا ذات الموصوف بأنه أبيض ذاتا؛ وأما قولك: إن هذه الذات مسلوب عنها الحيوانية من حيث هي أبيض دائما، كقولك: إن كذا مسلوب عنه السواد مادام أبيض، ومن حيث هو أبيض؛ وإذا كان دوام سلبك السواد من حيث هو أبيض لا يوجب أن يكون سلبا ضروريا، فكذلك دوام سلبك الحيوان هن الأبيض من حيث هو أبيض. فالجواب أن قولنا: من حيث هو أبيض، إن كان جزءا من المحمول عرض ما قلنا الآن وفيما سلف من أقاويل مضت؛ وإن كان جزءا من الموضوع، فإما أن يكون كأنك قلت الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد، أو تكون كأنك قلت الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض لا بشرط التجريد أو زيادة. فإن كان معناه الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض على أنه بشرط التجريد، فإنه لا يجوز أن يكون شيء آخر يوصف به هو غيره في المعنى؛ بل يكون هو بنفسه أمرا لا يرض له أمر آخر ولا هو يعرض لأمر آخر. فلا يكون شيء يوصف بالأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد هو إنسان أو فرس أو غير ذلك، فإنه لا يكون إنسان أو فرس أو شيء من الأشياء هو أبيض، بشرط أن لا شيء هو غير الأبيض من حيث هو أبيض. فلا يكون إذن هو عارضا لذات حتى يكون هناك معنيان: معنى الذات في نفسها، ومعنى لها مادامت موصوفا بهذا الوصف. حتى إذا كان السلب مع هذا الوصف لم يكن ضروريا مطلقا؛ بل هي نفس الذات المسلوب عنها دائما كل وقت. فإن الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بشرط التجريد، مسلوب عنه كل شيء من الأشياء له مفهوم غير مفهومه سلبا دائما. فإذن كل سلب عنه فهو سلب دائم، ليس وفتا عنجما يكون موصوفا بما وصف به، ووقنا لا. فهذا هو الفرق، وهذا كما يقال: إن الإنسان حيوان بالضرورة. فإنه يستوي فيه مادام ذاته موجودا، ومادام موصوفا بأنه إنسان. وإما إن أخذ الأبيض ليس بشرط التجريد، بل بلا شرط حتى يكون أن يقرن به شرائط أخرى، فالسلب المذكور كاذب. فإنه كاذب أن يقال: إن الإنسان من حيث هو شيء موصوف بأنه أبيض، مسلوب عنه الحيوانية؛ بل الشيء الموصوف بأنه أبيض غير مانع من أن يوصف أنه حيوان، وصفا ضروريا، فضلا عن الوجودي، إلا من حيث يعتبر أبيض مرفوعا عنه أنه شيء أبيض، أي شيء آخر هو الموصوف بأنه أبيض.
والفرق بين الاعتبارين أن النظر في الأبيض بلا اعتبار، شرط قد يقال: إنه نظر في الأبيض من حيث هو أبيض، المجوز فيه أن يكون أي شيء كان، موصوف بأنه أبيض. ولمكن لم يلتفت عند ذلك الوصف والاعتبار إلى شيء من تلك الأشياء التي يجوز أن تكونه. وإنما التفت إلى نفس أنه شيء أبيض الجائز أن يكون جصّا أو ثلجا أو غير ذلك. والنظر في الأبيض باعتبار شرط لا لتجريد يقال إنه نظر في الأبيض من حيث هو أبيض، وهو النظر في الشيء الأبيض المرفوع عنه أنه جص أو بياض أو له وجود آخر غير وجود أنه شيء أبيض فقط. فإذا أخذ الأبيض هكذا، سلب عنه الحيوان. وصح أن يقال: إن الأبيض المأخوذ من حيث هو أبيض بهذه الصفة ليس حيوانا. فإن اعتبر بالمعنى الأول فيكون الإببض من حيث هو أبيض المشترك فيه. فلا يقال إنه سلب عنه الحيوانية؛ بل لا يوجب حاله سلب الحيوانية عنه، ولا إثبات الحيوانية له. فلا يكون الشيء الأبيض من حيث هو أبيض بهذا المعنى ليس حيوانا؛ بل يجوز أن يكون حيوانا إلا أن يقال: إن الشيء الأبيض ليس من حيث هو شيء أبيض بهذا المعنى حيوانا، فينتقل لفظه من حيث هو أبيض إلى المحمول. فبين إن قلنا: ليس شيء مما هو أبيض حيوانا، لم يصدق بهذا المعنى، على أن يأخذ الأبيض جزءا من الموضوع. وما يشفي يكفي في هذا الأمر أن يعلم أنه لا اعتبار في تأليفاتنا ههنا بهذا البتة، أعني بالنظر في الموضوع والمحمول أنه من حيث أو ليس من حيث؛ بل أن ينظر إلى الشيء الموصوف مثلا بأنه أبيض لا يزيد شيئا آخر. فإن صح عليه الإيجاب في كل وقت، أو وقتا ما، فقد صح الإيجاب؛ و صح كذلك السلب، فقد صح السلب. وأنه إذا زيد على هذا شيء، فقد أدخل شرط الاعتبار"من حيث"، وكان غير نفس الموضوع وحده، وغير نفس المحمول وحده، اللذين الاعتبار بهما، بل قرن بهما اعتبار أو اعتباران، فقد صارت القضية حينئذ آخرى.