وإما أن لا يذهبوا إلى هذا. ولا أرى صاحب التعليم الأول ذهب إلى هذا؛ بل حرمه تحريما كليا. وإنما قصد إلى أن يكون الصدق غير ضروري باعتبار الحمل، لا باعتبار السور. فكان الغرض في قوله: لا شيء من ج بَ، أن كل واحد م ج يسلب عنه بَ وقتا ما، ولا يسلب وقتا ما، ولا يجب أن يسلب دائما، بل يجوز أن بكون بَ من خواص ج التي لا تدوم وتكون. فلينظر كيف يتالف من مثل هذا مع الضرورية قياس يلزم هذا الخلف. فنقول: إذا قلنا ليس شيء من الناس يضحك بالفعل، أي عندما لا يضحك. ثم قلنا: كل آ بالضرورة ضاحك بالفعل، حتى يكون القياس المطلوب، ما كان لنا أن نقول: كل ضحاك بالفعل إنسان، حتى يلزم: فكل آ إنسان؛ ثم يلزم: فبعض ما هو إنسان آ، وكل ما هو آ فهو ضحاك بالضرورة. فبعض ما هو إنسان هو ضاحك بالضرورة، وكان لا شيء من الناس إلا وهو مسلوب عنه الضحك، هذا خلف. فإذن إذا صدق قولنا: كل بَ ج، كان ذلك مانعا عن أن يصدق قولنا بالضرورة: كل آ بَ ، وإذا صدق قولنا كل آ بَ بالضرورة، كان ذلك مانعا عن أن يصدق أن كل بَ ج لا بالضرورة، ولو صدقا جميعا، عرض المحال المذكور. فإذن لما صدق كل بَ ج، فيجب أن يكذب كل آ بَ بالضرورة، وأن يمنع ذلك صدق هذا. فيكون في مثل هذه المادة مستحيلا أن يوجد شيء من الأشياء يوجد عليه الضحاك بالفعل بالضرورة، حتى يكون ذلك الضحاك آ. وبالحقيقة فإن الضحاك بالفعل غير معقول على غير الإنسان بوجه من الوجوه؛ وهو الإنسان غير ضروري. وكيف يمكن أن يقال على غيره وقد جعل منعكسا عليه؟ ولو قيل بالضرورة على غيره حتى كان أعم منه، لم يمكن أن ينعكس لا السلب كليا مطلقا صرفا ولا الإيجاب كليا كيف اتفق. وأما اللمثال لما يكون فيه الصدق، من جانب قولنا: كل آ بَ، ويمتنع صدق إيجاب عكس الجانب الآخر أن يجعل ج إنسانا، وبَ المتحرك بالفعل، وآ الفلك. ولا يكون لك أن تقول: إن كل متحرك بالفعل إنسان بوجه. فإذن قوله: إن هذا يمتنع، غير صحيح. فإنه إنما لا يمتنع في نفس الأمور.
وأما في تأليف هذه صفته، فيمتنع أن تكون مادة ويقع فيها: ليس شيء من ج بَ لا بالاضطرار، فلا يمكن أن ينعكس الكلي السالب فيها كليا موجبا، مساعدة للسالبتين المنعكستين اللتين تصدقان معا. ثم أوردوا لهذا مثالا من الحدود، وهو أنه: لا شيء من الأبيض بحيوان، وكل إنسان حيوان، فلا شيء من الأبيض إنسان. قالوا: فيكون صادقا أنه لا شيء من الأبيض إنسان في وقت ، أي في الوقت الذي يصدق فيه أن لا شيء من الأبيض حي. وليس صدقا بالضرورة، لأنه يمكنن يكون بعض الأبيض إنسانا، وبعض الناس أبيض. فنقول: إن هذه السالبة حي من حيبث هو أبيض؛ والثاني أن يقال: إذا لم يكن ققنس، ولا ناس في بلاد الاعتدال، ولا أنواع من الحيوان التي هي دائما بيض، بل كان إنما توجد أنواع هي بالطبع غير بيض، وأشخاص من هذا النوع لها أن تكون بيضا ولكنها الآن سود. فحينئذ يصدق: أنه لا شيء من الأبيض حي، أي في ذلك الوقت. فإن فرضوا المقدمة صادقة على هذا المفهوم الثاني لزمهم أن تكون الكبرى - كما علمت أيضا - غير ضرورية. فلا يكون التأليف على ما يدّعون. وأما الوجه الأول ففيه من الزيادة التي لا يجب أن يلتفت إليها ما قد علمت، وما قد قيل لك فيما سلف. وقد علمت أن بعض الأبيض حي بالضرورة، وأنه ليس سلب الحي عن الأبيض من حيث هو أبيض سلبا وجوديا حتى يصح أن يكون مرة الأبيض من حيث هو أبيض حيا، ومرة لا؛ فقد مضى لك هذا. فإن كل أبيض مسلوبا عنه - مادام ذاته موجودا - الحيوانية من حيث هو أبيض فإنه دائما مسلوب عنه الحيوان من حيث هو أبيض، لا يجوز أن يبقى ذاته موجودا ويكون من حيث هو أبيض محمولا عليه الحيوانية.