فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 781

فلنوضح الفساد في الرسوم التي بعده. فأما الزائد في رسم الممكن أنه ما ليس بموجود فلا يخلو إما أن يرسم الممكن الذي بالمعنى الأعم، فيكون قد كذب. فإنه يكون من ذاك ما هو موجود، وإما أن يكون إنما يرسم الأوسط، فقد أخطأ، فإنه ليس من شرطه أن يكون غير موجود، ولا أن يكون موجودا، بل أن لا يكون دائم الوجود أو غير الوجود، بل الغير موجود منه الذي ليس بضروري الوجود واللا وجود هو السالب المطلق، والموجود منه الذي ليس بضروري الوجود واللاوجود هو الموجب المطلق. وكلاهما داخلان تحته. وكل واحد منهما أخص منه، وإن كان إنما يرسم المعنى الثالث فالمعنى الثالث مباين للمطلق. وهذا قد جعل مطلقا من جهة السلب. فيكون كأن المطلق سلبه هو الممكن الأخص. فيبقى قسم رابع وهو المطلق إيجابه.

فما نقول فيه إن الموجود الذي ليس بضروري ومتى فرض غير موجود لم يعرض منه محال، فهل هو من هذا الممكن أم ليس ؟ فإن كان هو من هذا الممكن فقد فسد الشرط؛ وإن لم يكن منه، بل كان مطلقا في إيجابه ولم يكن كذلك ممكنا في نفسه، فتلك المقدمة أيضا مطلقة في سلبها. فيجب أن لا تكون ممكنة، وإن كان قد جعلوا الإطلاق جنسا أو شرطا للإمكان بقى الممكن الذي لا ضرورة فيه حقيقية ولا شرطية بلا رسم ولا حد. ثم إن ظن أن الوجود يجعل الممكن ضروري الوجود بشرط وأن هذا مما يجب أن يحترز عنه في الممكن الحقيقي، فلم يظن أن فرض اللا وجود يجعله أيضا ضروري أللا وجود بشرطه؟ فإن زعموا أن معنى قولهم غير الموجود هو أنه الذي لا يجب أن يوع حكمه موجودا، أو أنه الذي ليس بدائم الوجود، فليس ما قاولا صوابا. فإن قولهم هو ما ليس يجب وجوده هو، غير قولهم هو الغير الموجود، وبعد ذلك فالوجهان جميعا داخلان في قولهم ليس بضر وري. فما الحاجة إلى تكرير ذلك في الحد.

وبالجملة فإن غير الموجود كالجنس لأمرين فقط، فإن غير الموجود إما أن يكون دائما فيكون: المحال والضروري العدم، وإما أن يكون غير دائم فيكون: المطلق السلب. ولا يدخل فيه غيرهما مما ليس نوعا لهما. فهؤلاء إذن لم يحسنوا فيما فعلوا.

وأما الذي يقال من الممكن هو ما ليس بضروري من غير زيادة، فإذا عُني به ما ليس ضروري الوجود وغير الوجود، كان هذا القول مطابقا للممكن. أما الخاص إن عُني به سلب ضرورية الدوام بلا شرط، والأخص جدا إن عَنَى سلب جميع وجوه الضرورة، وإن عُني به أنه ليس ضروري الحكم الذي يقال له إنه ممكن إيجابا كان أو سلبا، لم يتم حتى يقال: وإذا فرض ذلك الحكم موجودا لم يعرض منه محال. وقد فهم بعضهم من الضروري الواجب الوجود. وقد زلّ. فإن الضروري في هذا الفن من المنطق يعنى به معنى أعم من وجوب الوجود، وإلا لكانت المقدمات أربعا: ضرورية واجبة، وأخرى ممتنعة، ومطلقة، وممكنة. وأنت تقف من هذا على ما تضمنه الرسوم التي تتلو هذا، وأشنعها قولهم: إن الممكن هو الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد. فإن لفظ يتهيأ يرادف الممكن، وفيه من الاشتراك ما فيه . وله وجه واحد حسن يمكن أن يصرف إليه، وهو أن يكون المحدود هو المكن الخاص. ويجد في الشيء الذي هو كالجنس له وهو الممكن العام. ويكون المفهوم من لفظة يتهيأ ما يفهم عند الجمهور. وليس يفهم عند الجمهور من لفظة يتهيأ ولا من لفظة الممكن ما يفهم عند الخاصة. فلو أن أحدا أخذ المعنى العامي في حد الخاص لم يعنّف. لكنه يكون قد أوهم من حيث اللفظ أن الممكن أخذ في حد نفسه، مثل ما عرض في باب المضاف، وعلى ما علمته. فإذا أُخذ بدل المكن العام اسم مرادف للمكن العام يدل على المعنى المراد بالممكن العام، ولم يجد الخاصة استعملوه كثيرا استعمالا مرادفا للممكن المحدود، يكون هذا الإيهام قد زال. فيكون كأنه قال: إن الممكن الخاص ما ليس ممتنعا كونه، ولا ممتنعا لا كونه. ويكون هذات بلإزاء قولهم: إن الممكن الخاص ما ليس بضروري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت