فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 781

فأما الرسم الأول فهو أوثق الرسوم وأحفظها للمذهب في الصناعة. فأما إذا فهم إنسان هذا القول على أنه رسم الممكن من حيث هو ممكن، وفهم من الممكن ما ليس بضروري الوجود، ولا غير الوجود، صار ما قيل بعد، من أنه إذا فرض موجودا لم يعرض منه محال، أمرًا كالمستغنى عنه. وإنما أورد كنافع وخاصةٍ، لا على أنه جزء رسم. لكن الأولى عندنا أن يقال: إن هذا التجديد هو للحكم الممكن. فإن الحاجة ههنا إنما هي إلى تحديد جهات القضايا. فكأنه يقول: إن الممكن من القضايا هو ما ليس ضروري الحكم، المحكوم به من إيجاب أو سلب أيهما كان حكم به. فيدخل في هذا الممتنع. فإذا قال: ومتى فرض ذلك الحكم الموجب أو السالب موجودا أو حاصلا على نحو ما حكم به لم يعرض منه محال، ثم الرسمُ مساويا للمرسوم. ويكون الرسم إنما يتم بجزئين. فحينئذ إن عنى بالضروري الضروريَ الحقيقي، كان هذا الرسم للمكن الخاص؛ وإن عُنى بالضروري أيَّ ضروري كان بشرطٍ أو بغير شرط، كان هذا الحد للممكن الخاص. وليس ما قال بعض الناس: إن معنى قوله: ما ليس بضروري، ما ليس بواجب، شيئا، فقد علمت ما في ذلك.

واعلم أن الإمكان من المعاني التي تعرض لمقولات شتى، فإنها تعرض للكيف وللكم ولغير ذلك. وهو يقع على هذه بالتقدم والتأخر. وهو كالوجود وكالوحدة وما أشبه ذلك. فليس يمكن أن يجعل له جنس يشار إليه أنه فيه. وكذاك فإن ما يؤخذ في رسمه كالجنس. يكون لا محالة ليس بالحقيقة جنسا، ولكنه يناسب الجنس، وإنما يدل على معنى مشكك، ويكون من الأمور العامة، مثل: الذي، وما، والشيء. وكذلك يكون ما يجري مجرى الفصول فيه فصلا عن تشكيك. ثم إن الممكن أمر ليس صحيح الوجود مستقرا بذاته، بل هو أمر إما أن يكون عدما، وإما أن يكون متحققا بعدم، فيحتاج في تجديده إلى أن يُحد بالسلب كما قد علمت من الواجب في تحديدات أمور عدمية. ولما كان الأمر الوجودي في نفسه أسبق إلى التصور، وكان العدم إنما يتصور بالقياس إليه، أعني أن العدم نفسه إنما يتصور بأنه عدم معنى وجودي، كما قد سلف لك بيانه، فيجب أن يكون الأمر الضروري أسبق إلى التحقيق والتصور. فإن الضروري هو الأمر الذي وجوده يستحق الدوام، إما مطلقا، وإما عند وجود الشرط، فلا يكون وقت من الأوقات لا يوجد فيه إما مطلقا وإما عند وجود الشرط. فالضرورة تدل على وثاقة الوجود. ويمكن تصوره مبتدئا. ولأن المحال ضرورة مقرونة بالعدم، فيكون المحال إنما يتصور من جهة الضروري كأنه الذي موجود له دائما صدق القول إنه معدوم. فإذا أخذنا الضروري في حد الممكن، أخذنا ما هو أشهر في نفسه عند الجمهور وعند التحقيق. أما عند الجمهور، فلأنهم لا يفطنون للمكن الذي عند الخاصة. وأما عند التحقيق، فلأن المتصوّر الأول هو الموجود. وأما الممكن العامي فهو ما ليس بممتنع. وتَصُّور الممتنع إنما هو من حيث هو واجب أن لا يوجد؛ وتصور الواجب هو من حيث هو موجود يستحق الدوام، فلا يكون البتة معدوما. فالواجب والضروري متصور أيضا قبله. والمحال متصور أيضا قبل الممكن. أما العامي، من حيث هو عامي، فإنما يُتَصور بأنه ما ليس بمجال، وأما الخاص فلأن المحال أبسط نسبة إلى المعنى الوجودي منه، فإنه هو الذي عدمه ضروري، والممكن الحقيقي هو الذي لا عدمه ولا وجوده ضروري. فإذا فهمت هذا، فطعن من طعن أنكم رسمتم شيئا وهو الممكن، بما هو أخفى وهو الضروري، أو ربما يتبين به ويدور عليه؛ إذ قد أخذتم في حد المكن المحال، والمحال هو ما ليس بممكن، ولا يحد إلا بذلك، والضروري أيضا هو الذي لا يمكن أن لا يكون، وهو المحال أن لا يكون، وأنتم إما أن تكونوا قد أسأتم الأختيار، وإما أن يكون الأمر في نفسه يوجب الدور. فنقول: ليس الأمر كذلك. وذلك لأن الضروري والمحال قبل الممكن في التصور، المحال وإن كان يصدق عليه أنه ليس بممكن، فليس كل ما يصدق عليه شيء فهو في الاعتبار، أو ما هو لا يتحدد الشيء دونه. ومع ذلك فليس الممكن الذي يعرف به المحال وهو الممكن الذي عرفناه بالمحال، بل هو كالجنس له. وكذلك قولهم: لا فرق بين قولكم: ممكن، وبين قولكم: ما ليس بضروري، فنقول: هو كذلك، لا فرق بين قولنا: الإنسان، وبين قولنا: الحيوان الناطق. لكن أحدهما: اسم، والآخر: قول مفصل يشرح معنى الاسم.

(ه) فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت