وأما الآن فنقول: إنه لو كان في مسألتنا هذه ج آ دائما ما دامت ذاته موجودة، ثم كان مكن له أن يكون بَ وأن لا يكون، وقد كنا قلنا: إن كل ما يوجد له بَ فإنه إنما يوجد له آ وقتا ما، فيكون إذا صارت ج بَ صار له آ أمرا غير دائم وذاته موجودة. وقد كان آ له دائما، فيكون آ له دائما ما دام ذاته موجودة، ومع ذلك فإنه قد يصير له غير دائم عند أمر ما موجود مع ذاته، هذا خلف. فيكون السبب في هذا ما فرضناه من كون آ دائما لج. فإذن لا يكون له دائما حين تكون الكبرى صادقة. وإذا لم يكن دائما، لم يكن مانعا أن يكون آ لج ممكنا أخص مع كونه مطلقا. فإنه يكون مطلقا له بشرط وجهة اعتبار غير الاستقبال، وممكنا بشرط كل وقت شئت أن نفرضه له مستقبلا. فأما أن هذه النتيجة هل تصدق مطلقة؟ فنقول: إنه لا يجب ذلك، لأنه يجوز أن يكون الواحد من ج لا يوجد البتة من وقت حدوثه إلى وقت فساده، ويكون إنما يوجد له آ عندما يكون هو بَ فقط. فيكون الواحد من ج لا ينفق له ب البتة، ولا أيضا آ. مثل قولنا: كل إنسان يمكن أن يكتب، وكل كاتب مماس بقلمه الطرس، فليس يلزمه صدق بالإطلاق، حتى يصدق أن كل إنسان مماس بقلمه الطرس. فإذا علمنا هذا، فقس عليه سائر الضروب. والضرب الذي بعد هذا هو: كل جر بَ بالإمكان، ولا شيء من بَ آ، فلا شيء من ج آ بالإمكان العام. وبيانه على قياس ما قد علمت بالخلف. ومع لك فالمشهور أن النتيجة هي شيء من ج آ بالضرورة. فقد قيل ما يدل على ذلك في التعليم الأول.
لكن الأولى أن يكون قد وقع في اللفظ تقديم وتأخير، ويكون معناه ليس بالضرورة آ، ولا في شيء من ج، لا أنه بالضرورة لا في شيء من ج. وفرق بين قولنا: ليس بالضرورة لا في شيء من ج، وبين قولنا: بالضرورة ولا شيء في م ج كما علمت. وأورد لهذا في التعليم الأول مثال يدل على أن المراد فيه هو أن النتيجة قد تكون ضرورية، لا أنها تكون دائما ضرورية. والمثال لذلك: كل إنسان يمكن أن يفكر أي بالفعل، ولا شيء من المفكر بغراب، والنتيجة: فلا شيء من الناس بغراب، وذلك بالضرورة. وإذا جعل بدل الغراب: المتحرك، أنتج نتيجة غير اضطرارية. فإذن النتيجة تارة تكون ممكنة، وتارة تكون ضرورية.
وقد بقي علينا أن ننظر في هذه الحدود. فقد قيل في التعليم الأول يجب أن يطلب غير هذه. وقد صدق. فإن الكبرى في القياس الأول ضرورية، إلا أن يجعل بدل المفكر: المتخيل، فيكون سلب الغراب عن المتخيل مما يصح في وقت ما فيكون أول شيء قد نسينا النصيحة والوصية المذكورة في هذه الساعة، وثانيا: أن هذا بعينه يمكن في الضرب الذي كبراه موجبة مطلقة. فإنه قد يصدق هناك أن كل متخيل غراب، ولا ينتج أن كل إنسان يمكن أن يكون غرابا. لكنه إذا أخذ المطلق ما يعم الضروري، كان الإنتاج على ما ذكر في التعليم الأول. فإنه تارة يكون ضروريا إن كانت المطلقة في مادة ضرورية، وتارة غير ضرورية إن كانت المطلقة في مادة غير ضرورية. والضرب الذي بعده وهو أنه يمكن أن لا يكون شيء من ج بَ، وكل بَ آ، ينتج: يمكن أن لا يكون شيء من ج آ. وتبين بعكس السالبة إلى الوجبة، ثم بعكس النتيجة. وكذلك إذا كان من سالبتين كليتين، فإن جعلت الصغرى سالبة مطلقة لم يجب عنه قياس. والعلة فيه ما علمت في المطلقات. فإن جعلت الصغرى موجبة جزئية مطلقة، والكبرى ممكنة كلية، موجبة كانت أو سالبة، فالعبرة للكبرى بلا شك، فإن كانت الصغرى ممكنة، والكبرى مطلقة، فالنتيجة على ما سلف لك. فلا خلاف أنها تكون جزئية. وإن كانت الصغرى سالبة جزئية ممكنة، تبينت بالعكس إلى الإيجاب على نحو ما علمت.
(ج) فصل
في الشكل الأول الممكنة والاضطرارية