وإن كان لقائل أن يقول: إن هذا القياس غير مؤلف، فإن الكبرى إذا كانت بهذه الجهة فيجب أن يكون الأوسط مشتركا فيه، فيقال: إن كل فرس يمكن أن يكون متحركا في ذلك الوقت. وهذا كاذب؛ لأن في ذلك الوقت لا يمكن أن يكون شيء متحركا غير الإنسان، إذ كان قد وجد كل متحرك إنسانا، وحين يوجد كل متحرك إنسانا يستحيل أن يكون الفرس متحركا. لكنا نقول له: إن ذلك لا يوجب كون هذه القضية الممكنة كاذبة محالة، وأعني بالممكنة الممكنة بالإمكان الخاص. فإن ذلك القول لا يكون محالا ولا واجبا. فإنه وإن وجد أن لا متحرك هو فرس، فليس ذلك كذبا محالا، ولا صدقا حقا ضروريا، بل هو أمر بين هذين. فهو الممكن الخاص الذي يقع على المطلق. وأما الممكن الذي لا يقع على المطلق، ويعتبر فيه الزمان المستقبل، فلا يمكن أن يقال إلا ويدل عليه فيه بوجه ما على الزمان المستقبل. فإما أن لا يأتلف منه مع هذا المطلق قياس البتة، وقد ألف؛ وإما أن لا يراعى ما ذكروا. وما علينا من ذلك شيء، فإن علينا أن نحكم في كل موضع بما يجب فيه، مع اعتبار أنه إن كان المراد بالمطلق كذل كان كذا. وإن كان المراد بالمطلق شيئا آخر، كان له حكم آخر. وما علينا أن نناقش في الألفاظ، ونصر على أن قائلا عنى كذا دون كذا.
وإذ قد بينا هذا، فنعود قائلين: إنه قد تبين بهذا البرهان أن النتيجة ممكنة عامة. وذلك هو الحق، إن أخذنا المطلق ما يعم الضروري وغيره. فإن أخذنا المطلق الذي لا ضرورة فيه لم يجب أن يكون إلا ممكنه بالمعنى الأعم. فإن ظن الظان أنه قد صح من طريق الخلف المذكور أن النتيجة ممكنة حقيقية خاصية، فلم يحسن. فإنه ليس إذا لم يكن ج بَ بالإمكان الخاص والأخص يجب أن يكون بالضرورة ليس كل ج آ؛ بل يجوز أن يكون بالضرورة كل ج آ. لأن الأمر المخالف للمكن ليس هو الذي هو ضروري إللا وجود، بل الضروري في الوجود واللا وجود جميع. لكنا نبين أن النتيجة حينئذ تكون ممكنة خاصية أيضا. وذلك لأنه إن كان بالضرورة بعض ج آ، وليكن كل ج بَ موجودا، فيكون بالضرورة بعض بَ آ. وكان كله لا بالضرورة. وأما أنه هل يجب أن يكون ممكنا الممكن الذي لا يدخله المطلق حتى يكون كل ج بَ بالإمكان الأخص ولا إطلاق إيجاب البتة، فنقول: ليس ذلك بواجب. فإنه يجوز أن يكون أعم من بَ. فيكون موجودا لكل ما هو بَ بالفعل ولما ليس ب. ولا يجب أيضا أن لما هو بَ عند ما هو بَ؛ بل قبله أو بعده، فكون ج موجودا له، وإن كان ممكنا له أنه بَ، لكن كون الشيء مطلقا لا يمنع كونه مكمنا حقيقيا. فإنه وإن كان مطلقا له في وقت، ولم يكن ضروريا، فيجوز أن يكون له في وقت ما ممكنا بحسب القياس إلى مستقبله، اللهم إلا أن يكون موجودا له دائما، وهذا يمنع صدق الكبرى على الشرط المذكور. وتبين لك وجه يحقق هذا، إذا علمت بعد أنه لو كان بدل هذه الوجودية ضرورية كانت النتيجة ضرورية.