فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 781

وقد أومأنا إلى حقيقة ذلك فيما سلف، فلا يحسن بنا أن نطول الآن في بيان ذلك بما جرت العادة به من وضع حروف وأسباب. فإن محصول ما جرت به العادة، ما دللنا عليه فيما سلف. وبالجملة لا يلزم من وضع ما لا يمتنع، أمر ممتنع. لسنا نقول: إنه لا يلزم من وضع الممكن الحقيقي إلا ممكن حقيقي؛ بل نعني بهذا أنه لا يلزم من وضع الممكن بالمعنى العام المشتمل على المعنى الخاص والمطلق والضروري إلا ممكن بالمعنى العامي. فإن الممتنع لا يلزمه البتة، سواء كان ما وضع للزوم ممكنا حقيقيا أو مطلقا أو ضروريا. فإن ما يلزم الممكن العامي فهو غير ممتنع كائنا ما كان. ولذلك فإن الكذب غير المحال لا يلزمه كذب محال، وهو الذي يستحق صدق نقيضه دائما بنفسه بلا شرط، بل إن لزمه كذب غير محال. فإذا كان كل ج بَ بالإمكان، وكل بَ آ بالوجود، فنقول: إن كل ج آ بالإمكان. والمشهور أنه كذلك بالإمكان العام. وذلك أن يتبين بالخلف. وذلك الخلف مبني على أنه إن لم يكن هذا ممكنا، فليكن غير ممكن. وغير ممكن، هو الذي بالضرورة ليس يكون. فلا شك أن هذا الممكن إذن هو العامي المقابل للذي بالضرورة، وليس يكون، أي العامي. فلنأخذ إذن نقيض النتيجة وهو بالضرورة ليس كل ج آ، ولنفرض أن كل ج بَ على أنه موجود، إذ ليس محالا، فينتج من الشكل الثالث أن بالضرورة ليس كل بَ آ، وكان بالإمكان كل بَ آ، هذا محال لم يلزم من التأليف، ولا عن الكذب غير المحال، فيكون عن الأخرى المشكوك فياها. فإذن ذلك محال.

هذا ما في التعليم الأول، فنذكر أن المعلم الأول قد كان منع أن يكون هذا التأليف ينتج الضروري. والآن فقد أنتج منه الضروري، فإنه إن لم يكن ضروريا لم يناقض بالحقيقة الوجودي. فبين لك من هذا أن هذه النتيجة ضرورية كما إذ عيناها نحن. وإنما لم تورد في التعليم الأول، حيث تعلم الأشكال ضرورية على سبيل الأرتياض والامتحانات. ألا ترى أنها لما استعملت، استعملت منتجة للضرورية. على أنه قد يمكن أن تبين هذا الخلف على هذه الصورة، من غير أن يؤخذ كذب غير محال البتة ، بل أن يقال: إن كان بالضرورة ليس كل ج آ، وكان كل بَ آ، فواجب من الشكل الثاني أن يكون بالضرورة ليس كل ج ب، وكان ممكنا أن يكون كل ج بَ، هذا خلف. وقد بينوا هذا الخلف بوجه آخر بأن جعلوا الممكنة موجودة حتى يكون: كل ج بَ، وكل بَ آ، فكل ج آ. وكان بالضرورة ليس كل ج آ، وما كان يجب أن يؤخر هذا عن الأول.

وقيل بعد هذا في التعليم الأول ما معناه: إن المقدمات المطلقة لا يجب أن يلتفت إلى سورها البتة، حتى يكون إطلاقها أن سورها قد صدق وقتا ما. فلا يجب أن يقال في المطلقات: كل ج بَ، ومعناه كل جب في هذا الزمان. وذلك لأنه لا مانع أن يصدق وقتا ما أن كل متحرك إنسان، إذا لم يكن متحرك غيره. فإذا قلنا: كل فرس يمكن أن يتحرك، صدقن. وإذا قلنا: كل متحرك يمكن أن يكون إنسانا أي وقت ما، لم يجب عنه أن كل فرس ممكن أن يكون إنسانا، بل بالضرورية لا شيء من الأفراس إنسان. فإن جعل بدل الإنسان الحيوان، كان بالضرورية كل فرس حيوان. فهذا ما قيل في التعليم الأول، فقد جعل هذا سببا لأن يكون مثل هذا الأكبر لا يتألف عنه قياس. فقد بان وصح أن استعمال المطلق والوجودي على هذه الصفة ليس بجيدن وأن التعليم الأول يخالفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت