إنه كما أن المقدمات منها حملية، ومنها شرطية، كذلك المطالب منها حملية ومنها شرطية. وكما أن من الحمليات ما يصدق به بلا قياس، ومنه ما يحتاج فيه إلى قياس، كذلك الحال في الشرطيات. فإن كثيرا من الدعاوى التي في الرياضيات، والطبيعيات، وفيما بعد الطبيعة، شرطية متصلة ومنفصلة. والحمليات قد تبين بقياسات حملية، وبقياسات شرطية. لكن الشرطيات لا تنتج عن الحمليات على ما علمت. فهنا إذن قياسات شرطية تنتج شرطيات سواء كانت من شرطيات صرفه، أو مختلطة على ما سنبين. والقضية الشرطية توافق الحملية في أنها: قول جازم موضوع لأن يصّدق به أو يكذب، وفيه تصور لمعنى مع تصور نسبته إل خارج على سبيل المطابقة. فإن كل قضية تتصور أولا في نفسها، لكنها إنما يقع التصديق بها إذا نسبت إلى خارج على سبيل المطابقة. ثم الشرطية تخالف الحملية في أنها مركبة بالضرورة من أجزاء فيها تأليف خبري. ومع ذلك فإن النسبة بينها ليست نسبة أن يقال في أيجابها أن أولها ثانيها، كما يقال: إن الإنسان كاتب، فيجعل أول الأمرين هو ثانيهما. فتشارك الحملية في أن هناك حكما بنسبة جزء إلى جزء، ويخالفها في هيئة ذلك الحكم. لكن الشرطيات تختلف أيضا في هذه النسبة، فتكون النسبة الإيجابية في بعضها على سبيل المتابعة، وفي بعضها على سبيل المعاندة. وذلك إذا أخذا موجبتين. فإنك إذا قلت: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، كان الارتباط الموجب على سبيل الاتباع. وإذا قلت: إما أن يكون كذا وإما أن يكون كذا، كان لك على سبيل العناد.
ولنبدأ باقتصاص ما قيل في أمر الاتصال والعناد. قالوا: إن الاتصال منه تام، ومنه غير تام. وكذلك العناد منه تام، ومنه غير تام. وأما الاتصال التام فجعلوه ما يلزم فيه المقدم التالي، كما لزم التالي المقدم، كقولهم: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وكلما كان النهار موجودا فالشمس طالعة. وأما الاتصال الغير التام، فأن يكون المقدم يلزمه التالي ولا ينعكس، كقولك: كلما كان هذا إنسانا فهو حيوان. ولا ينعكس، فليس إذا ذاك حيوانا فهو إنسان. وقالوا أيضا: إن العناد منه ناقص، ومنه تام. فالتام هو الذي يوجد فيه مع معاندة كل واحد من الجزئين للآخر، أن يكون نقيض كل واحد منهما قائما مقام عين الآخر، كقولنا: مل عدد إما زوج وإما فرد. والناقص هو أن يكون العناد حاصلا، وليس نقيض أحد الأمرين يقوم مقام عين الآخر، كقولنا: الستة إما أن تكون عددا تاما، وإما أن تكون عددا زائدا، ويقف، فإنه ليس إذا لم يكن زائدا كان تاما، بل ربما كان ناقصا. وقال بعضهم: إن الاتصال مكان الإيجاب، والانفصال مكان السلب. وقال آخرون: إن الشرطية باجملة لا إيجاب فيها ولا سلب. هذا وقد يدخلون في المنفصلات قضايا مكثل هذه: زيد إما أن لا يكون نباتا وإما أن لا يكون حيوانا، وزيد إما أن لا يكتب أو يكون يحرك يده. ولهم قضايا تستعمل في الشرطيات مترددة الحوال سنذكرها بعد.